مقالات الرأي

حـــين تـدور الـدائـــرة

بقلم: أيهاب الأسمر

في ذاكرة الجنوب العربي صفحات لا تزال مفتوحة على الألم.
صفحات كُتبت بالنار والدخان في صحارى حضرموت ، حين وجد شعب الجنوب نفسه في مواجهة سياسات ضغط وابتزاز لم تترك له سوى مساحة ضيقة بين الصمت والوجع .
يومها لم يكن الجنوب يملك فائض القوة ولا رفاهية الخيارات. كان شعباً خرج لتوّه من حروب وانقسامات ، يبحث عن استعادة دولته وكرامته ، فإذا به يجد نفسه أمام نفوذ إقليمي ثقيل يمدّ يده إلى القرار والثروة معاً.
ثروات النفط، ومسارات الأنابيب عبر حضرموت والمهرة، والضغط السياسي الذي رافق تلك المشاريع… كلها تحولت في نظر كثير من أبناء الجنوب إلى عنوان لمرحلة شعروا فيها بأنهم يُعاملون كطرف ضعيف في معادلة لا ترحم.
لكن الجرح الأكبر لم يكن في السياسة وحدها.
فالذاكرة الجنوبية لا تزال تتذكر جيداً ذلك اليوم الذي دوّت فيه السماء فوق حضرموت. الطائرات الحربية التي كانت تُسمّى يومها “صقور الجو السعودي” حلّقت في سماء الجنوب، ثم أمطرت الأرض ناراً. سقط الضحايا، وسقطت معهم مشاعر كثيرة في صدور أبناء الجنوب.
ولم يكن الألم في الضربات وحدها، بل في الخطاب الذي أعقبها.
خرج المتحدثون يومها بلغة المنتصر، بلغة القوة المتعالية التي لا ترى في الطرف الآخر سوى ساحة يمكن استباحتها. خطاب امتلأ بنشوة الانتصار واستعراض القوة، وكأن الجنوب شعب بلا كرامة ولا ذاكرة.
كانت تلك اللحظة واحدة من أكثر اللحظات قسوة في ذاكرة الجنوب.
غير أن التاريخ، كما يعرف الجميع، لا يسير في خط مستقيم.
فالدول التي تبدو قوية إلى الأبد تكتشف فجأة أن موازين القوة يمكن أن تنقلب في لحظة.
واليوم، بينما تتكشف ملامح المشهد الإقليمي الجديد، تبدو المفارقات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فالمملكة التي اعتادت استخدام نفوذها المالي والسياسي لفرض شروطها في محيطها، تجد نفسها فجأة أمام حليف يرفع في وجهها فاتورة ثقيلة.
باكستان، الدولة التي لطالما اعتُبرت شريكاً استراتيجياً، وضعت أمام الرياض قائمة مطالب غير مسبوقة:
مليارات الدولارات في تسهيلات طويلة الأجل،
توسيع الدعم النفطي،
ضمانات سيادية لإصدار الديون،
وتدخلات سياسية لدى المؤسسات المالية الدولية.
لم تعد المسألة مجرد مساعدة مالية.
إنها لحظة يكتشف فيها الجميع أن التحالفات المبنية على المال يمكن أن تتحول بسرعة إلى علاقات دائن ومدين.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في مكان آخر.
ففي الوقت الذي كانت فيه الطائرات السعودية تقصف صحراء حضرموت بالأمس، كانت القيادة العسكرية تتحدث بفخر عن “صقور الجو السعودي” التي لا تُقهر.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً.
فالصواريخ التي كانت تسقط يوماً على أرض الجنوب، باتت تسقط في عمق المملكة نفسها، حتى قعر دارها.
والسماء التي امتلأت يوماً بأصوات الطائرات المهاجمة، لم تعد تحمل الصوت نفسه.
اختفت تلك النبرة الصاخبة، واختفى معها خطاب النشوة والانتصار.
لم نعد نسمع تلك الكلمات المتعالية التي قيلت بعد ضرب حضرموت.
لم نعد نرى خطاب المنتصر الذي يستفز مشاعر الضعفاء.
بل إن السؤال الذي يتردد في أذهان كثيرين اليوم هو:
أين ذهبت تلك الصقور التي كانت تملأ السماء ضجيجاً؟
لقد تحولت الصورة التي كانت تُقدَّم باعتبارها رمزاً للرعب العسكري إلى واقع مختلف تماماً، حتى بدت تلك الصقور في نظر كثير من المراقبين وكأنها تحولت من طيور جارحة إلى طيور داجنة.
إنها مفارقة قاسية، لكنها في الوقت نفسه درس قديم يعرفه التاريخ جيداً:
القوة التي تُستخدم للتعالي على الضعفاء قد تعود يوماً لتختبر الضعف نفسه.
وفي ذاكرة الجنوب، حيث ما زالت أمهات الشهداء يرفعن أكفهن بالدعاء، تبدو هذه التحولات وكأنها صدى بعيد لتلك الدعوات التي خرجت من قلوب موجوعة في ليالٍ طويلة.
فالتاريخ لا ينسى.
والسياسة، مهما بدت قاسية في لحظة من اللحظات، تبقى خاضعة لقانون الزمن الذي يقلب الأدوار.
ولهذا فإن الدرس الذي يتكرر في كل مرحلة من مراحل التاريخ هو نفسه:
من يرفع صوته بالنشوة فوق جراح الآخرين ،
قد يأتي يوم يضطر فيه إلى الصمت.
حين تدور الدائرة.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish