مقالات الرأي

انتهت الحرب… فهل يبدأ الخليج إعادة حساباته؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

انتهت الحرب التي اندلعت بين ايران واسرائيل بعد اعلان مباشر من الرئيس الأمريكي دولاند ترامب وقف العمليات. لكن الذي انتهى في الحقيقة هو صوت الصواريخ فقط، أما الزلزال السياسي الذي أحدثته هذه المواجهة في بنية الأمن الإقليمي فلم يبدأ العالم في استيعابه بعد.

فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل كانت اختباراً حقيقياً لفلسفة أمنية حكمت الخليج منذ نهاية الحرب الباردة، وهي فلسفة تقوم على فكرة بسيطة: أن الأمن يمكن شراؤه عبر التحالفات العسكرية والقواعد الأجنبية والإنفاق الدفاعي الضخم. غير أن هذه الحرب كشفت فجأة مفارقة صادمة؛ فالقواعد التي أنشئت لحماية المنطقة تحولت في لحظة الحرب إلى أهداف محتملة، ووجدت الدول التي استضافتها نفسها مطالبة بحمايتها أيضاً. وهنا ظهر السؤال الذي ظل مؤجلاً لعقود: هل يمكن لأمن الخليج أن يعتمد إلى الأبد على قوة بعيدة جغرافياً بينما مصادر الخطر والاضطراب قريبة جداً؟

لا إيران خرجت منتصرة نصراً حاسماً، ولا إسرائيل استطاعت إنهاء التهديد الذي تواجهه، ولا الولايات المتحدة نجحت في فرض نظام إقليمي جديد كما فعلت في حروب سابقة. لكن هذه الحرب فعلت شيئاً أهم من الانتصار والهزيمة؛ لقد أنهت عملياً فكرة الهيمنة المطلقة لأي طرف في الشرق الأوسط، وفتحت الباب لمرحلة جديدة عنوانها توازن الردع الإقليمي، حيث يملك الجميع القدرة على الإيذاء لكن لا يملك أحد القدرة على الحسم الكامل.

وسط هذا التحول الكبير يعود سؤال قديم يلاحق السياسة الخليجية منذ عقود: ماذا نفعل باليمن؟ فاليمن لم يكن في يوم من الأيام مجرد جار فقير في جنوب الجزيرة العربية، بل كان دائماً عقدة الجغرافيا السياسية في المنطقة، لأنه يتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم وهو Bab el-Mandeb Strait. وكلما ضعف اليمن تحول هذا الموقع الاستراتيجي إلى فراغ مفتوح تتنافس فيه القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق يستعيد كثير من المراقبين ما كان يردده الصحفي والمفكر المصري الراحل محمد حسنين هيكل حين تحدث عن فلسفة غير معلنة حكمت العلاقة مع اليمن لعقود، وأشار إلى مقولة تُنسب إلى الملك المؤسس عبدالعزيز بن سعود تقول: “عزكم في ذل اليمن، وذلّكم في عز اليمن”. سواء صحت هذه الرواية تاريخياً أو كانت مجرد قراءة سياسية، فإنها تعكس ذهنية استراتيجية قديمة اعتبرت أن بقاء اليمن ضعيفاً يضمن استقرار الجوار. غير أن ما كشفته العقود الأخيرة هو العكس تماماً؛ فاليمن الضعيف لم يكن مصدر استقرار لأحد، بل تحول إلى ساحة تتصارع فيها المشاريع الإقليمية وتنتقل منها التهديدات إلى محيطها.

الحرب الأخيرة أعادت طرح هذه المسألة بطريقة أكثر وضوحاً. فإذا كان الخليج قد اكتشف أن أمنه لا يمكن أن يعتمد بالكامل على القواعد الأجنبية، فإنه سيكتشف عاجلاً أو آجلاً أن أمنه لا يمكن أن يستقر أيضاً في ظل يمن مضطرب ومنقسم. فالجغرافيا لا تتغير، وباب المندب سيظل هناك، واليمن سيظل هناك، وأي فراغ في هذه المنطقة سيظل مغرياً للقوى التي تبحث عن النفوذ.

ولهذا قد تكون النتيجة الأهم لهذه الحرب هي بداية مراجعة هادئة لكنها عميقة في التفكير الاستراتيجي الخليجي، مراجعة قد تقود إلى فكرة بدت في الماضي بعيدة أو حتى مستحيلة، وهي أن استقرار اليمن ليس عبئاً على الخليج بل استثمار في أمنه، وأن دمج اليمن تدريجياً في المنظومة الاقتصادية الخليجية قد يكون أقل تكلفة بكثير من تركه في دائرة الصراع الدائم.

هذه ليست دعوة عاطفية ولا حلماً سياسياً رومانسياً، بل قراءة باردة للجغرافيا والتاريخ. فالمنطقة التي تمتلك أكبر احتياطات الطاقة في العالم لا يمكن أن تبقى إلى الأبد محاطة بحزام من الدول الهشة. وفي عالم يتغير بسرعة، قد تكتشف دول الخليج أن الطريق الأقصر لحماية استقرارها ليس في مزيد من القواعد العسكرية، بل في توسيع دائرة الاستقرار حولها.

الحروب غالباً ما تغيّر الخرائط، لكن بعض الحروب تفعل شيئاً أخطر من ذلك؛ إنها تغيّر الأفكار التي بُنيت عليها السياسات لعقود. وإذا كانت هذه الحرب قد كشفت شيئاً مهماً، فهو أن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في إدارة الأزمات القديمة، أو البدء في صناعة نظام إقليمي جديد يقوم على الاستقرار المشترك لا على موازين الضعف.
والتاريخ يخبرنا أن الأمم لا تُهزم عندما تخسر حرباً، بل عندما تعجز عن فهم الدرس الذي تركته تلك الحرب وراءها.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish