مقالات الرأي

استثمار الحروب… وتأجيل إرادة الشعوب

بقلم: د. احمد بن إسحاق

في كثير من البلدان التي تعيش صراعات ممتدة، تتكرر ظاهرة واحدة بصمت: تتحول الحرب من مأساة وطنية إلى فرصة سياسية. ومع طول أمد النزاع، لا تعود المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل تصبح وسيلة لإعادة ترتيب السلطة بما يضمن بقاءها خارج أي مساءلة دستورية أو رقابة شعبية.

حين تستمر الحروب، تتعطل المؤسسات. يُجمّد البرلمان، تُهمّش المجالس المحلية، وتتراجع فكرة التداول السلمي للسلطة إلى الهامش. ومع غياب الاستحقاقات الدستورية، يُعاد تعريف “لشرعية” بوصفها ضرورة ظرفية لا تخضع لمعيار زمني أو رقابي. وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتُؤجَّل إرادة الشعوب إلى أجل غير معلوم.

لكن استمرار الحرب وحده لا يكفي لضمان هذا الوضع؛ إذ يصاحبه في العادة مسار موازٍ أكثر خطورة: إقصاء الكوادر الوطنية الصعبة الانقياد، تلك التي ترفض المداهنة أو التغطية على الفساد السياسي والإداري والمالي. فالسلطة التي تعيش في ظل النزاع لا تبحث عن أصحاب الكفاءة بقدر ما تبحث عن أصحاب الولاء. لا تحتاج إلى من يسائلها، بل إلى من يبرر أخطاءها ويضفي عليها طابع الضرورة.

وهنا تتحول مؤسسات الدولة من أدوات خدمة عامة إلى دوائر مغلقة تحكمها شبكة مصالح متبادلة، يُستبعد منها كل صاحب رأي مستقل أو ضمير يقظ. ومع الوقت، لا يكون الثمن مجرد تعطيل نصوص دستورية، بل استنزاف العقول الوطنية، وهجرة الخبرات، وترسيخ ثقافة الخضوع بدل ثقافة المساءلة.

النتيجة الأعمق أن الدولة نفسها تضعف، حتى لو توقفت الحرب يوما ما. لأن بنيتها الإدارية تكون قد أُفرغت من عناصرها الصلبة، واستُبدلت بالكفاءات المؤقتة والولاءات المرحلية. وهكذا لا تصبح الحرب مجرد نزاع مسلح، بل عملية إعادة تشكيل للمجال العام بما يضمن استمرار من يديرونه بعيدا عن أي محاسبة حقيقية.

إن أخطر ما في الحروب الطويلة ليس عدد سنواتها، بل ما تخلّفه من تشوهات في فكرة السلطة ذاتها. فحين ترتبط شرعية البقاء باستمرار النزاع، يصبح السلام تهديدا، وتصبح التسوية مخاطرة، وتغدو إرادة الشعوب مؤجلة إلى أن تنتهي “الظروف الاستثنائية” التي لا تنتهي.

Related Articles

Back to top button
en_USEnglish