الجنوب العربي… بين إنكار التسمية وتشويه التاريخ

بقلم: د. أحمد الشاعر باسردة*
يثير مقال الدكتور منصور الزنداني حول الجنوب العربي جملة من الإشكالات الفكرية والتاريخية، ليس أقلها وصفه لمصطلح «الجنوب العربي» بأنه اسم عدمي، وهو توصيف لا يعكس قراءة موضوعية للتاريخ بقدر ما يكشف عن موقف أيديولوجي ينكر الجغرافيا والذاكرة الجمعية لشعبٍ كامل.
إن إنكار التسمية هو في جوهره إنكار للوجود، ومحاولة لإفراغ قضية الجنوب من مضمونها السياسي والحقوقي، رغم أن الجنوب العربي ليس اختراعًا طارئًا ولا توصيفًا عاطفيًا، بل حقيقة جغرافية وتاريخية وسياسية تمتد من عدن غربًا إلى المهرة شرقًا، وهو الإقليم الذي عُرف تاريخيًا بالمستعمرات الشرقية والغربية، قبل أن يُفرض عليه لاحقًا مسار سياسي لم يكن نابعًا من إرادة شعبه الحرة أوجدته الجبهة القومية صاحبة تاريخ سىء في تاريخ الجنوب
الجنوب العربي كمسمّى سابق على دولة اليمن الديمقراطية الشعبية، وسابق حتى على قيام الجمهورية في شمال اليمن. استخدمته الوثائق السياسية والإدارية إبان الحقبة البريطانية، كما استخدمه أبناء الجنوب أنفسهم للتعبير عن خصوصية إقليمهم وهويتهم السياسية.
أما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي يستند إليها البعض كدليل “وحدة هوية”، فهي في حقيقتها كيان سياسي تأسس عام 1967 عبر الجبهة القومية التي كان في صفوفها شماليون وجنوبيون، لكنها لم تُلغِ الخصوصية الجنوبية، ولم تكن يومًا دليلاً على ذوبان الجنوب في كيان شمالي، بل كانت دولة مستقلة ذات سيادة، معترف بها دوليًا، وعضوًا في الأمم المتحدة
الوحدة اليمنية عام 1990 لم تكن قدرًا تاريخيًا أبديًا، بل اتفاقًا سياسيًا مشروطًا بين دولتين، فشل بسبب اختلال موازين القوة، وهيمنة طرف على آخر. وحين اندلعت حرب 1994، لم تكن “حرب دفاع عن الوحدة” كما يُروّج لها، بل عدوانًا عسكريًا أنهى فعليًا مشروع الوحدة السلمية، وحوّل الجنوب إلى أرض مُلحقة بالقوة.
منذ ذلك التاريخ، سقط أي ادعاء أخلاقي أو قانوني باستمرار الوحدة، لأن الوحدة التي تُفرض بالدبابات لا تُنتج دولة، بل تُنتج صراعًا مفتوحًا، وهذا ما نشهده حتى اليوم.
رغبة أبناء الجنوب في استعادة دولتهم ليست نزوة سياسية ولا مؤامرة خارجية، بل حق أصيل كفلته القوانين الدولية، ونابع من تجربة مريرة عاشها الجنوبيون خلال ثلاثة عقود من التهميش والإقصاء ونهب الأرض والثروة.
إن محاولة تصوير هذا الحق كدعوة تفتيت أو مشروع عدمي هو مغالطة مقصودة، تهدف إلى الهروب من جوهر المسألة:
شعبٌ له أرض وهوية وتاريخ، يطالب بأن يختار مستقبله بنفسه.
الجنوب العربي حقيقة جغرافية قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا. لا يمكن شطب هذه الحقيقة بالمقالات ولا بإعادة تدوير سرديات ما قبل 1994. شرقوا أو غربوا، طال الزمن أو قصر، فإن قضية الجنوب ستبقى حاضرة، وستُحسم في نهاية المطاف بإرادة شعبه، لا برغبات النخب التي اعتادت الحديث باسمه دون تفويه شعبي
أ. د. أحمد الشاعر باسردة
رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gatherin



