أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

مليونية ردفان: انتقال الرفض الجنوبي لحل الانتقالي من الدفاع إلى الهجوم السياسي المنظم

خاص ـ حضرموت نيوز

لم تكن «مليونية الصمود والتصدي» في ردفان حدثًا منفصلًا أو ردّة فعل آنية، بل جاءت بوصفها حلقة متقدمة في مسار تصاعدي من الحراك الجماهيري الجنوبي، بدأ قبلها بمليونيات كبرى في عدن والمكلا وسائر محافظات الجنوب، عبّرت جميعها عن موقف سياسي موحّد، يتجاوز الجغرافيا ويعكس وحدة الإرادة الجنوبية في لحظة فارقة من تاريخ القضية.

من عدن، العاصمة السياسية للجنوب، خرجت الحشود لتقول كلمتها رفضًا لأي مساس بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته، مرورًا بالمكلا، عاصمة حضرموت ساحلها، وواديها، التي حملت رسائل سيادية واضحة برفض الوصاية وإعادة إنتاج مراكز النفوذ، وصولًا إلى ردفان، مهد الثورة الجنوبية الأولى، اكتمل المشهد الرمزي والسياسي لهذه المليونيات. فقد اختارت الجماهير أن تُتوَّج هذه السلسلة من الفعل الجماهيري في ردفان تحديدًا، لما تمثله من ثقل تاريخي في الذاكرة النضالية الجنوبية.

الدلالة الأبرز لهذه المليونيات المتعاقبة تكمن في أنها أسقطت أي محاولة لتوصيف المجلس الانتقالي باعتباره محصورًا في منطقة أو محافظة بعينها. فالمشهد المتكرر، بنفس الشعارات، ونفس المطالب، ونفس التفويض السياسي، أكد أن الجنوب يتحدث اليوم بصوت واحد، وأن قضيته لم تعد رهينة للتباينات المحلية أو الحسابات المناطقية. ردفان هنا لم تكن بديلًا عن عدن أو المكلا، بل امتدادًا لهما، ونقطة ارتكاز تاريخية أعادت ربط الحاضر بالماضي الثوري.

وفي هذا السياق، حملت مليونية ردفان وظيفة سياسية مضاعفة. فمن جهة، جاءت لتأكيد استمرارية الزخم الشعبي وعدم تراجعه رغم الضغوط السياسية والعسكرية والإعلامية. ومن جهة أخرى، شكّلت رسالة حاسمة بأن محاولات حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي أو تجاوز قيادته وفي مقدمتهم الرئيس عيدروس الزبيدي لم تؤدِّ إلا إلى توسيع رقعة الرفض الشعبي، وتحويل الاحتجاج من فعل نخبوي إلى حالة جماهيرية عامة تشمل كل محافظات الجنوب.

إن اختيار ردفان مسرحًا لهذه المليونية لم يكن اختيارًا عاطفيًا فقط، بل قرارًا سياسيًا ذكيًا، أعاد استحضار رمزية المكان بوصفه نقطة انطلاق الثورات الجنوبية، ومختبر الإرادة الشعبية الصلبة. ففي ردفان، تلاقت ذاكرة 1967 مع واقع 2026، في رسالة مفادها أن الجنوبيين حين يشعرون بأن قضيتهم تتعرض للتهديد، يعودون إلى جذورهم النضالية الأولى، ويعيدون إنتاج أدواتهم الجماهيرية بذات الروح ولكن بوعي سياسي أكثر نضجًا.

كما أن تتابع المليونيات في عدن والمكلا ثم ردفان كشف عن تحول نوعي في طبيعة الفعل الجنوبي، من الدفاع إلى الهجوم السياسي المنظم. لم تعد الجماهير تكتفي بالرفض، بل باتت تطرح شروطها بوضوح: عودة القيادة إلى الداخل، إلغاء الإجراءات المفروضة عليها، حماية القوات المسلحة الجنوبية، وفتح مسار سياسي آمن لحل القضية الجنوبية حلًا عادلًا وفق إرادة شعب الجنوب وممثله السياسي المفوض.

وعليه، يمكن القول إن مليونية ردفان مثّلت لحظة تتويج لمسار جماهيري ممتد، ورسالة أخيرة لمن يراهنون على إنهاك الشارع الجنوبي أو تفكيك وحدته. فهي لم تأتِ لتقول «لا» فقط، بل لتؤكد أن الجنوب يمتلك اليوم وعيًا جمعيًا، وذاكرة نضالية، وقدرة تنظيمية، تجعله حاضرًا بقوة في معادلة الداخل والإقليم، وقادرًا على فرض قضيته على طاولة الحلول، لا بوصفها ملفًا ثانويًا، بل كقضية شعب له تاريخ، وأرض، وإرادة لا تقبل الالتفاف.

 

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish