مقالات الرأي

كيف تحوّل انضمام اليمن لمجلس التعاون إلى هدف استراتيجي خليجي في 2026؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

في ظل التحولات الإقليمية والدولية غير المسبوقة، لم يعد الحديث عن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي شعارا عاطفيا أو فكرة مؤجلة، بل هدفا استراتيجيا تفرضه حسابات الأمن والتنمية واقتصاد ما بعد النفط، وتلتقي عنده مصالح اليمن والخليج في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة.

يبدو أن عام 2026، الذي بدأ بتحولات إقليمية متسارعة، يحمل في طياته مفاجآت كبرى لليمنيين والخليجيين على حد سواء؛ ليس في ملف السلام المؤجل فحسب، بل في إعادة فتح ملفات ظلت لعقود حبيسة الأدراج، وفي مقدمتها ملف انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي، الذي بات اليوم مشروعا استراتيجيا تفرضه معطيات السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي.
فالتقارب السعودي–الإيراني، وتبدل أنماط التحالفات الخليجية، وعودة التركيز على الاستقرار والتنمية بدل إدارة الأزمات، كلها عوامل أعادت اليمن إلى واجهة التفكير الخليجي بوصفه فرصة استثمارية وأمنية، لا عبئا سياسيا أو أمنيا، وشريكا مطلوبا في معادلة الاستقرار الإقليمي.

ومن التحولات الداخلية التي تعزز هذه الآمال، إعلان حكومة يمنية جديدة أقرب إلى التكنوقراط منها إلى المحاصصة الحزبية التي أنهكت الدولة لعقود، في خطوة شكلت رسالة طمأنة بالغة الأهمية. كما أن الأداء الاقتصادي خلال الأشهر الماضية، بقيادة سالم بن بريك، وما رافقه من تحسن نسبي في الإدارة المالية والانضباط المؤسسي، قدم مؤشرات واقعية على إمكانية بناء شراكة مؤسسية لا علاقة وصاية. وتأتي ترقية بن بريك مستشارا رئاسيا للاقتصاد والمالية، إلى جانب اختيار رئيس حكومة يمتلك خبرة أكاديمية وقانونية ودبلوماسية ممتدة، لتعزز هذا المسار وتمنحه عمقا وثقة.

تاريخيا، تأخر انضمام اليمن إلى مجلس التعاون بفعل مخاوف أمنية واقتصادية وحساسية سوق العمل. غير أن السعودية، بقيادة جيل شاب أعادت تعريف مفهوم الأمن باعتباره تنمية مستدامة، وأصبحت اليوم أكثر استعدادا وقدرة على تحويل تلك المخاوف إلى فرص. فلم يعد اليمن يُنظر إليه كخاصرة ضعيفة، بل كعمق استراتيجي وبوابة جيوسياسية تطل على البحر الأحمر وبحر العرب، وتشكل ركيزة مهمة لأمن الخليج واستقراره.

ومن زاوية المصالح الخليجية الخالصة، وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة في مجال الطاقة البديلة وتراجع الاعتماد المستقبلي على النفط، يبرز اليمن بوصفه أحد أهم الفرص الاقتصادية غير المستثمرة في الجوار المباشر. فبالنسبة لاقتصادات خليجية تبحث بجدية عن روافد ما بعد النفط، يمثل اليمن سوقا بكرا وامتدادا طبيعيا للاستثمار الزراعي والصناعي والخدمي. تستطيع الشركات الخليجية إقامة مشاريع كبرى في الزراعة الحديثة والأمن الغذائي، وصناعات التحويل الزراعي والسمكي، والإسمنت ومواد البناء، والطاقة الشمسية والرياح، والموانئ والخدمات اللوجستية، إضافة إلى المناطق الصناعية المتصلة بميناء عدن وبحر العرب. وفي المقابل، يشكل السوق اليمني منفذا واسعا لتصريف المنتجات الخليجية من الصناعات الغذائية والدوائية والبتروكيماوية ومواد البناء والخدمات المصرفية والاتصالات، بما يقلل فاتورة الاستيراد الخارجي ويعزز التكامل الإقليمي.
أما على صعيد الموارد البشرية، فإن العمالة اليمنية—المتجانسة ثقافيا، والأقل كلفة، والمؤهلة والقابلة للتأهيل السريع—توفر بديلا استراتيجيا ومستداما للعمالة البعيدة ثقافيا، خصوصا في قطاعات الزراعة، والإنشاءات، والخدمات، والنقل، والسياحة، بما يحول التحويلات المالية إلى استثمار بشري ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
ويكتسب ميناء عدن ومشروع جسر ربط عدن بالقرن الإفريقي عبر جزيرة بريم بعدا استراتيجيا يتجاوز اليمن ذاته، ليشكل بوابة خليجية مباشرة نحو واحدة من أسرع مناطق العالم نموا. فهذا المشروع لا يربط ضفتي البحر فحسب، بل يربط اقتصادات مجلس التعاون بأسواق إفريقية تضم مئات الملايين من المستهلكين، وبمصادر هائلة للمواد الخام الزراعية والمعدنية والطاقة، وبفرص استثمارية واعدة في الصناعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية. ومع تحول عدن إلى محور عبور إقليمي، يمكن لدول الخليج أن تختصر سلاسل الإمداد، وتخفض كلفة النقل، وتعزز قدرتها التنافسية في إعادة التصدير والتصنيع الوسيط، مستفيدة من موقع يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية عالميا. إن إدماج هذا المشروع ضمن رؤية خليجية مشتركة سيحول البحر الأحمر وبحر العرب من حدود جغرافية إلى مساحة تكامل اقتصادي، ويمنح دول المجلس منفذا استراتيجيا مستداما نحو إفريقيا، ليس بوصفها سوقا ناشئة فحسب، بل شريكا رئيسيا في مرحلة ما بعد النفط.

أمنيا ودفاعيا، فإن ضم اليمن إلى منظومة مجلس التعاون يخفف عن دول الخليج عبء إدارة أزمة مفتوحة على حدودها، ويحول اليمن من ساحة استنزاف إلى خط دفاع متقدم لأمن البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب، ويغلق منافذ الفوضى والإرهاب والاستقطاب المعادي الذي يتغذى تاريخيا على الفقر والهشاشة وغياب الأفق الاقتصادي. كما أن الانتقال من إدارة الأزمات إلى الشراكة الأمنية والتنموية يقلص كلفة التدخل، ويعزز الاستقرار طويل الأمد، ويفتح آفاقا جديدة للتبادل السياحي والتكامل الاجتماعي.

ومع هذه التحولات، لم يعد مشروع ضم اليمن إلى مجلس التعاون مجرد فكرة مؤجلة أو شعار عاطفي، بل مشروعا استراتيجيا ناضجا. ولم يعد السؤال المطروح هو: «هل؟» بل «متى؟». فهو رهان رابح لليمن دولة ومؤسسات، وللخليج أمنا ونموا ومكانة إقليمية أوسع.
ولهذا، لم يكن مستغربا أن يتصدر ملف ضم اليمن أجندة الدراسات الاستراتيجية خلال عام 2026، وأن تتحدث مصادر في الأروقة السياسية عن مشاورات غير معلنة وصيغ انضمام تدريجية، تبدأ بالشراكة الاقتصادية والأمنية، وتنتهي بعضوية كاملة. وإذا ما تحقق ذلك خلال هذا العام، فسيكون الحدث الأبرز في حياة اليمنيين والخليجيين منذ عقود، ورسالة واضحة بأن المنطقة اختارت أخيرا الاستثمار في الاستقرار بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish