أهم الاخبار

قراءة سياسية في مليونية عدن ورسائلها الداخلية والإقليمية

خاص ـ حضرموت نيوز 

شكّلت المليونية الجماهيرية الحاشدة التي شهدتها ساحة العروض بمديرية خور مكسر في العاصمة عدن، عصر الجمعة، محطة سياسية فارقة في مسار القضية الجنوبية، ورسالة واضحة لا لبس فيها عن حجم التماسك الشعبي والاصطفاف الوطني خلف مشروع استعادة الدولة الجنوبية، في لحظة إقليمية وسياسية معقدة تشهد محاولات مكثفة لإعادة رسم المشهد بمعزل عن إرادة الشارع الجنوبي.

هذا الاحتشاد غير المسبوق، الذي تدفقت إليه جموع غفيرة من مختلف محافظات الجنوب، لم يكن فعالية عابرة أو تعبيرًا انفعاليًا مؤقتًا، بل جاء كتجسيد عملي لإرادة سياسية جمعية، عبّرت عن نفسها بوضوح في البيان الختامي، الذي حمل مضامين سياسية عميقة، وحدد مواقف صريحة تجاه القضايا الجوهرية المرتبطة بالتمثيل السياسي، والشرعية، ومسار الحل، والعلاقة مع الإقليم والمجتمع الدولي.

أولًا: تثبيت التمثيل السياسي ورفض الوصاية

أكد البيان، بلهجة حاسمة، أن المجلس الانتقالي الجنوبي هو الحامل السياسي الشرعي لقضية شعب الجنوب، وأن أي محاولات لتجاوزه أو القفز على شرعيته الشعبية، سواء عبر قرارات مفروضة أو مسارات ملتوية، تُعد مرفوضة سياسيًا وشعبيًا.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا جماهيريًا بأن معركة الجنوب اليوم لم تعد فقط عسكرية أو ميدانية، بل سياسية بامتياز، تستهدف شرعية التمثيل وموقع القرار.

ثانيًا: الزُبيدي كرمز لإرادة جماعية

حمل البيان دلالة مهمة حين شدد على الالتفاف حول الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، معتبرًا أن استهدافه سياسيًا أو إعلاميًا هو استهداف مباشر لإرادة شعب الجنوب بأكمله.
وقد تجاوز الخطاب هنا البعد الشخصي، ليؤكد أن الزُبيدي ليس مشروع فرد، بل عنوان مرحلة نضالية ورمز لإجماع شعبي، وأن أي مساس به أو بمحاولة كسر الثقة بينه وبين قاعدته الشعبية يُعد تجاوزًا للخطوط الحمراء.

ثالثًا: شرعنة المسار السياسي الجنوبي

أعلن البيان تأييده الكامل للبيان السياسي الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي في الثاني من يناير، واعتباره إطارًا سياسيًا منظمًا، يستند إلى التفويض الشعبي، ويطرح رؤية متدرجة لاستعادة الدولة الجنوبية، بوصفها خيارًا واقعيًا للاستقرار، لا مغامرة سياسية كما يحاول خصوم القضية تصويرها.

رابعًا: رفض المسارات المفروضة

وضعت الجماهير حدًا واضحًا لأي حوار أو مؤتمر أو مسار سياسي لا يكون شعب الجنوب وممثله الشرعي طرفًا أصيلًا فيه، مؤكدة أن زمن اتخاذ القرارات من خارج الأرض أو فوق الإرادة الشعبية قد ولى، وأن أي مخرجات لا تنبع من هذا الأساس محكوم عليها بالفشل.

خامسًا: رسائل مباشرة للإقليم والمجتمع الدولي

حمل البيان خطابًا مباشرًا إلى المملكة العربية السعودية، دعاها فيه إلى التعامل مع القضية الجنوبية من منطلق احترام الإرادة الشعبية، وعدم الانخراط في أي ترتيبات تتجاوز هذه الإرادة، مع التأكيد على أن الجنوب كان وسيظل عامل استقرار وشريكًا موثوقًا في حماية الأمن الإقليمي والممرات الدولية ومكافحة الإرهاب.
كما طالب بالإفراج عن قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي المتواجدين في الرياض، وتمكينهم من العودة الآمنة إلى العاصمة عدن، في خطوة اعتبرها كثيرون اختبارًا عمليًا لجدية التعاطي مع الشريك الجنوبي.

طوفان بشري لإعادة تصويب البوصلة

ما جرى في ساحة العروض بعدن لم يكن مجرد تظاهرة حاشدة، بل كان استفتاءً شعبيًا مفتوحًا، أعاد تصويب البوصلة، وقطع الطريق أمام كل محاولات الالتفاف أو فرض الوقائع السياسية بالقوة أو الوصاية.

هذه المليونية أكدت أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد مجرد كيان سياسي، بل أصبح تعبيرًا حيًا عن إرادة شعب، وأن قيادته، وفي مقدمتها الرئيس عيدروس الزُبيدي، تستمد شرعيتها من الشارع لا من الغرف المغلقة أو الترتيبات الخارجية.

كما وجّهت الجماهير رسالة قوية مفادها أن القرارات التعسفية، ومحاولات الإضعاف أو الإقصاء، لن تزيد الجنوب إلا تماسكًا وصلابة، وأن من يراهن على كسر إرادة هذا الشعب إنما يقرأ المشهد بعين الماضي لا الحاضر.

إن من خرجوا في هذه المليونية خرجوا دفاعًا عن حق تاريخي، وعن مشروع دولة، وعن كرامة سياسية، وهم اليوم يثبتون أن استعادة الدولة الجنوبية لم تعد شعارًا، بل مسارًا شعبيًا واعيًا، يحميه التفويض، وتسنده التضحيات، ويقوده مشروع وطني واضح.

ختامًا، تثبت مليونية عدن أن إرادة الشعوب لا تُهزم، ولا تُختطف، وأن الجنوب، بقيادته وشعبه، ماضٍ في طريقه، مهما اشتدت الضغوط وتعاظمت التحديات.

Related Articles

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish