“خذلتموه حياً فلا تخذلوه ميتاً”

بقلم د. علي عفيفي الأهدل
لم يكن الشيخ عبدالرحمن حجري اسمًا عابرًا في زمنٍ اختلت فيه الموازين، بل كان معنى يتشكّل في قلب المعاناة، وموقفًا يتقدّم حين يتراجع كثيرون، ورجلًا أدرك مبكرًا أن القضايا العادلة لا تُحمل بالضجيج، بل بالبصيرة، ولا تُنصر بالشعارات، بل بالصبر الطويل والعمل المتراكم. أنشأ الفكرة من رحم الواقع فكان حراكا ، ورتّب الصف وسط التشظي، وعمل حين كان العمل مخاطرة، لا مكسبًا، فمضى ثابت الخطى، غير ملتفت إلى التصفيق، ولا متوقف عند حسابات العابرين، مؤمنًا بأن ما يُبنى للحق قد يتأخر ظهوره، لكنه لا يضيع.
حمل القضية التهامية بوصفها أمانة تاريخية لا ورقة سياسية، ومسؤولية أخلاقية لا منصة خطاب، فوسّع أفقها، وصاغ لغتها، ونقلها من حدودها الجغرافية الضيقة إلى فضاءات أرحب، حتى بلغت المحافل الدولية، حيث تُقاس القضايا بعمق عدالتها لا بارتفاع الأصوات من حولها. هناك كان حاضرًا بعقله قبل حضوره بجسده، متزنًا في خطابه، رصينًا في حجته، مدركًا أن الدفاع عن المظلوم لا يكون بالانفعال، بل بالوضوح، ولا بالتشنج، بل بالحكمة، فكان لكلمته وزن، ولحضوره أثر، ولجهده بصمة لا تُمحى.
غير أن الطريق لم يكن مفروشًا بالوفاء، فالخذلان جاء من حيث لا يُنتظر، والصمت خيّم ممن كان يُفترض أن يكونوا عونًا لا عبئًا، فوجد نفسه في لحظات مفصلية يواجه الخارج وفتور الداخل في آن واحد، وهو أقسى امتحان يمر به القادة وأشد ما يستنزف المشاريع الصادقة. ومع ذلك لم يبدّل وجهته، ولم يساوم على جوهر قضيته، ولم يجعل الخذلان ذريعة للتراجع، بل مضى محافظًا على المعنى، مؤثرًا أن يخسر الدعم على أن يخسر القضية.
ثم غاب الجسد، وبقي السؤال الثقيل معلقًا في ضمير المرحلة: ماذا نصنع بإرث رجل أنشأ ورتّب وعمل، ثم خُذِل؟ إن الوفاء لا يُقاس بعدد الكلمات، ولا بحرارة الرثاء، بل بصدق الاستمرار، وصيانة ما أُنجز، وحماية ما وصل إلى العالم من أن يُعاد إلى الهامش. فالخطر ليس في رحيل القائد، بل في اغتيال مشروعه بعد غيابه، وفي اختزال تاريخه، أو إعادة صياغته بما يخدم مصالح متأخرة لم تعرف كلفة الطريق ولا وحشة البدايات.
إن القضية التهامية اليوم ليست بحاجة إلى مزايدات، ولا إلى وجوه تتقدم بعد أن انقشع الغبار، بل بحاجة إلى وعي يحفظ المسار، وضمير يدرك أن ما وصل إلى المحافل الدولية بجهد السنين لا يجوز التفريط فيه بخفة، ولا التعامل معه كغنيمة سياسية أو ذكرى موسمية. فالقضايا لا تموت حين يغيب رجالها، لكنها تُغتال حين يفقد الأحياء شجاعتهم الأخلاقية.
ويبقى الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله شاهدًا على مرحلة شاقة، ودليلًا على أن القائد الحقيقي قد يُحاصر ويُخذل، لكنه لا يتنازل عن رسالته، ولا يساوم على عدالة قضيته، ولا يفرّط في الأمانة التي حملها. ومن العدل أن يُنصف ذكره، ومن الحكمة أن يُصان أثره، لأن التاريخ لا يرحم، ولأن تهامة تستحق أن يُحمل وجعها بصدق لا بازدواجية.
فإن لم يُنصف حيًا، فليُنصف معنى، وإن غاب جسدًا، فلتبقَ رسالته حيّة، شاهدة على أن بعض الرجال يرحلون، لكنهم يتركون خلفهم امتحانًا أخلاقيًا للأحياء، إما أن ينجحوا فيه، أو يسقطوا أمام ضمير التاريخ سقوطًا لا نهوض بعده.
* الصورة للراحل الشيخ عبدالرحمن حجري


