ثأر الحضارمة والنصر المجيد
بقلم: د. أحمد باحارثة
كان معن بن زائدة من قادة بني أمية، فلما آلت الخلافة إلى بني العباس اختفى في مناطق البادية، وحدث أن ثار أهل خراسان في عهد أبي جعفر المنصور، فتقدم معن فقاتل مع جيش الخليفة وهو ملثم، ثم كشف عن شخصيته، فلقبه المنصور (أسد الرجال)، وولاه اليمن، ثم سجستان.
وقدم معن إلى اليمن في سنة 142ه واليًا عليها، فأقام في صنعاء، ولم يلبث أن غزا بجيش كبير إقليم حضرموت، فدخل شبوة، وتوغل حتى بلغ مدينة شبام، وأكثر في غزوته من القتل، وقتل من قاومه من الحضارمة، ومن بينهم أحد زعمائهم وهو الشيخ عمرو بن عبد الله بن زيد الإشباوي، وكان للشيخ عمرو ولدان صغيران هما محمد وسالم، وأكبرهما محمد، وفي سنة 150هـ نقل المنصور ولاية معن من اليمن إلى منطقة سجستان في إيران.
فلما صار محمد بن عمرو شابًا فتيا قرر أن يثأر لوالده وقومه لما جرى عليهم في غزوة معن، وأدرك أن بداية ثأره سيكون بزيارته لبلاد الحرمين الشريفين حيث سيعرف هناك موضع معن بذهابه إلى مكة في موسم الحج حيث يقبل الحجاج من كل بقاع العالم الإسلامي، وهكذا اتجه ابن عمرو مع أخيه سالم إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج، وهناك سألا الحجاج عن مكان وجود معن، فأخبروهما أن المنصور قد عينه واليا على بلاد سجستان في إيران، وإقامته في عاصمتها مدينة (بُست)، فقرر ابن عمرو أن يلاحقه إلى هناك، فانطلق مع أخيه حتى وصل إلى بست يترقب فرصة للأخذ بثأره، وهناك أقام هو أخوه عند رجل مقيم من اليمن تعاطف معه لما سمع من بطش معن بأهل حضرموت.
وحدث أثناء ذلك أن أمر معن ببناء قصر له واستأجر بعض عمال البناء، فدخل محمد بن عمرو هو وأخوه سالم في العمال، فلما قرب كمال بناء الدار بعد نحو سنة أراد معن أن يزورها، وكان ابن عمرو يرصده، وانفرد معن في بعض مرافق الدار كي يقضي حاجته، وكانت تلك هي الفرصة السانحة، فتبعه ابن عمرو وأخوه سالم فوجداه منفردا وقد فرغ من حاجته، فقال معن لمحمد ولأخيه من أنتما؟ فقالا: ننحن عاملان من نجران، ثم عاجل ابن عمرو خصمهم بطعنه بسكين مسمومة كانت معه، وغمز أخاه ليسارعا بالخروج من مدخل العمال، وانسلا بهدوء إلى منزل صاحبهما اليماني الذي كانا عنده، وكانا قد عملا لهما نفقا في داره تحت الأرض، فدخلا فيه للاختباء، أما معن فقد تفقده أصحابه فوجدوه قتيلا، فأمروا بإغلاق أبواب مدينة بست، وحصروا العمال فلاحظوا غياب العاملين الحضرميين، فعلموا أنهما هما القاتلان، فاقتحموا دار صاحبهما اليماني الذي كانا مقيمين عنده فلم يجدوهما، ثم طلبوهما في جميع ديار المدينة فلم يجدوهما، وهما قد أقاما في ذلك النفق في حتى هدأت المطاردة، وفتحت أبواب المدينة مجددًا فخرجا في جملة المسافرين، وتنقلا في مسيرهما حتى وصلا إلى اليمن، وهناك تلقى وجوه أهل اليمن ابن عمرو وسالم بالبشر ويهنئونهما على النصر المؤزر.
وقد ذكرت الشعراء ذلك الحدث العظيم الذي أدرك فيه ابن عمرو وسالم ثأر الحضارمة ممن تجرأ على غزو بلادهما، فقال الشاعر عبد الرحمن بن يوسف الأجعدي:
يا معن أصبحت في بيداء مظلمة من بعد ما كانت بين الخلق مختالا
حتى أتاك ابن عمـــــرو في أطامره قد جاشم الصبر أحوالا فأحوالا
حتى ســـــــــــــقاك بها كأســـــــا معتقة من شربة جعلت في الصدر أنكالا
ونفسه الشيخ البطل محمد بن عمرو قال في ذلك النصر الحضرمي شعرا قال فيه:
خرجت له والقلب مني كأنه تجيش غواشيه بنار تضرم
حللت به ثأري ولم أك جانيا وكان فؤادي حره يتجحم
فهذا بما قدمت معن ولم أكن لأقعد حتى تمس لحما يقسم
وفي التهنئة بذلك النصر الحضرمي قال الشاعر حباب بن عمرو المرادي:
إن ابن عمرو أخا الغارات نازعه سيف حسام وقلب لم يكن جزعا
خـــــاض البلاد، ولم ينظر لعــــاقبة فأدرك الثأر فيما نال وارتفعا
ما زال يطوي الفيافي موجعا كمدا وصنوه معه يهوي وما هلعا
حتى ســـــما للعلا يوما فأدركــــــها فنال عزًا وأمسى مجده سطعا
وهكذا شهد العالم مجد الحضارمة الذي سطع بعد أن أدرك ابن عمرو وسالم ثأر قومهما من مغامرة ذلك الغريب الغازي في اجتياح بلادهم، وحققا نصرًا مجيدًا لحضرموت أحيا مهجتها، وأعاد لها بهجتها.


