هل ستتفادى اليمن فيضانات ما بعد ذوبان الجليد السياسي؟
بقلم: د. احمد بن إسحاق
يأتي هذا الحديث في لحظة تبدو مختلفة عمّا سبقها. فالمشهد العام، رغم تعقيداته، يشهد مؤشرات لا يمكن تجاهلها: خروجًا تدريجيًا للإمارات من بعض مسارح التأثير المباشر، وتسليم معسكرات في حضرموت والمهرة ضمن ترتيبات هادئة وغير صدامية، وترتيبا متدرجًا في شبوة وأبين، إلى جانب محاولات لإعادة ضبط الإيقاع العسكري والأمني بعيدًا عن منطق المفاجآت. كل ذلك يجري في سياق إقليمي ودولي بات أكثر حساسية تجاه الفوضى، وأقل تسامحًا مع مشاريع التقسيم والانفلات.
وفي هذا الإطار، يبرز حدث اليوم كإشارة سياسية لافتة، تمثلت في توجه أربعة من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي – عيدروس الزبيدي، وطارق صالح، وعبدالرحمن المحرمي – إلى الرياض، بالتوازي مع إعلان اللواء فرج البحسني تأييده الصريح لمسار الحوار الجنوبي. هذا التطور، بغضّ النظر عن تفاصيله اللاحقة، يحمل دلالة مهمة مفادها أن مرحلة الجمود الصلب قد بدأت تلين، وأن مستوى الصدام المفتوح يتراجع لصالح البحث عن تسويات منظمة، أو على الأقل إدارة الخلاف ضمن أطر سياسية لا عسكرية.
غير أن التفاؤل هنا يجب أن يكون عقلانيًا لا ساذجًا. فذوبان الجليد لا يعني ذهاب الشتاء دفعة واحدة، بل يفتح في الوقت نفسه احتمالات فيضانات إن لم تُحسن إدارة المسار. الأولوية في هذه المرحلة ليست استعراض النوايا، بل تثبيت القواعد: توحيد القرار العسكري والأمني، وضبط الانتشار، ومنع فرض الوقائع بالقوة تحت أي ذريعة. فالتجارب القريبة أثبتت أن أي استعجال في القفز على الواقع، أو محاولة فرض حلول غير ناضجة، غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية.
المرحلة القادمة تتطلب ترتيبًا هادئًا ومتدرجًا، يبدأ من الداخل قبل أن يتجه إلى الخارج. داخليًا، المطلوب هو استعادة فكرة الدولة بوصفها مظلة جامعة، لا أداة غلبة. توحيد القوات لا يعني إلغاء أحد، لكنه في الوقت ذاته لا يحتمل ازدواجية السلاح أو تعدد مراكز القرار. وعودة المؤسسات إلى عدن، وانتظام صرف المرتبات، وتوحيد الأجهزة الأمنية، ليست تفاصيل إدارية، بل شروط بقاء لأي مسار سياسي قادم.
في الجنوب، يبدو أن الإشارة إلى حوار جنوبي–جنوبي لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وقائية. فالتباينات الجنوبية، إذا تُركت دون إطار حواري جامع، ستتحول إلى صدوع يصعب ترميمها لاحقًا. الحوار هنا لا يُفترض أن يكون معركة تمثيل أو تصفية حسابات، بل مساحة لتحديد أولويات مشتركة، وضبط سقف الخلاف، وربط أي مشروع سياسي بمصالح الناس وأمنهم، لا بشعارات اللحظة.
أما على مستوى السلام الشامل، فلا يمكن فصل ما يجري داخليًا عن السياق الإقليمي الأوسع. فالاتفاق بين إيران والسعودية برعاية صينية أوجد بيئة أقل توترًا، وفتح نافذة – وإن كانت ضيقة – لإعادة تحريك ملف السلام مع الحوثيين على أسس مختلفة. غير أن أي مفاوضات قادمة لن تنجح إذا دخلها الطرف الحكومي منقسمًا أو هش البنية. السلام لا يُصنع بالنيات وحدها، بل بتوازن داخلي صلب ومؤسسات قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
دوليًا، تتصاعد بوضوح مواقف رافضة لتفكيك الدول الهشة، كما يظهر في ملفات اليمن والسودان والصومال. هذا المزاج الدولي لا يدعم مشاريع التقسيم، بقدر ما يسعى – ولو بدوافع أمنية – إلى الحفاظ على كيانات دولة قابلة للحياة. استيعاب هذه الحقيقة مهم، لأن الرهان على خرائط جديدة أو وقائع انفصالية لن يجد سندًا دوليًا، بل قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني على أصحابه، وهي رسالة ينبغي أن تكون حاضرة لدى جميع الفاعلين، دون استثناء.
الخلاصة أن ما نعيشه اليوم قد يكون بداية مسار مختلف، لكنه ليس مضمون النتائج. النجاح هنا مرهون بوضوح الأولويات: تثبيت الأمن، وتوحيد القرار، وفتح الحوارات الداخلية قبل الخارجية، وتجنب منطق الاستقواء. أما المحاذير فأبرزها الاستعجال، وتجاهل الهواجس المحلية، وتحويل التفاؤل إلى غطاء لفرض أمر واقع جديد.
إذا أُحسن التعامل مع هذه اللحظة، فقد تكون مدخلًا حقيقيًا لسلام مستدام. أما إذا أُهدرت، فسنكون أمام جولة جديدة من الدوران في الحلقة ذاتها، لكن بكلفة أعلى وأمل أقل.



