الحوار الجنوبي: أداة إنقاذ أم شرعنة للانقسام؟
بقلم د. احمد بن إسحاق
تابعنا خلال اللحظات الماضية ما أورده المستشار العسكري الكويتي ناصر الدويلة في تحليله المنشور على موقع “عدن الغد”، والذي تناول فيه مستقبل المشهد اليمني والجنوبي في ضوء التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة، وعلى رأسها مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض.
ركّز الدويلة في رؤيته على جملة من التحذيرات المهمة، أبرزها أن المؤتمر قد يتحول – إن أُدير بلا ضوابط – إلى محطة تكرّس واقع الانفصال وتُنهي ما تبقى من شرعية الدولة الموحدة، وأن التطورات الميدانية في عدن وأبين وحضرموت والمهرة تعكس صراع تفاهمات إقليمية أكثر من كونها تعبيرًا عن إرادة محلية خالصة. كما أشار إلى أن تصاعد شعارات مناطقية مثل “حضرموت أولًا” قد يفتح الباب أمام دعوات انفصال أو انضمام إقليمي، في ظل غياب مشروع وطني جامع، محذرًا من أن الجنوب قد يُدفع نحو التفكيك وتقاسم التبعية بدل استعادة الدولة.
هذه القراءة، بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، تمثل جرس إنذار مبكر يجب التوقف عنده، لا لمجرد التعليق، بل لتحويل التحذير إلى فرصة تصحيح لمسار الحوار الجنوبي–الجنوبي.
فالمشكلة الجوهرية لا تكمن في الحوار ذاته، بل في كيفية هندسته وإدارته. الحوار غير المنضبط قد يتحول من أداة تسوية إلى أداة تفكيك، ومن مساحة توافق إلى غطاء لتكريس وقائع أمر واقع تُفرض بالقوة أو بالتفاهمات الخارجية.
إن أخطر السيناريوهات التي أشار إليها الدويلة تتمثل في أربعة مسارات متداخلة:
تفكيك الجنوب من داخله، تغييب الإرادة الشعبية لصالح تفاهمات إقليمية، استخدام السلاح كوسيلة ضغط سياسي، وتحويل الحوار إلى وثيقة شرعنة للانقسام بدل أن يكون جسرًا للإنقاذ.
ولمنع الانزلاق إلى هذه المآلات، يصبح من الضروري إعادة ضبط مسار الحوار وفق أسس واضحة، أولها تحييد النتائج النهائية. فالحوار لا يجب أن يُفهم كأداة تقرير مصير أو إعلان انفصال أو اتحاد، بل كمرحلة تنظيمية انتقالية تمهّد فقط لخيارات مستقبلية لا تُحسم إلا عبر استفتاء شعبي عام، حر، وتحت رقابة وطنية ودولية.
ثانيها التمثيل المتكافئ. حضرموت والمهرة والمناطق الغربية وبقية مناطق الجنوب ليست ملفات تفاوضية، بل مجتمعات سياسية كاملة. أي قرار يمس مستقبلها دون موافقة ممثليها الحقيقيين هو وصفة مؤكدة للتفجير الداخلي. العدالة في التمثيل، لا الوزن العسكري ولا النفوذ الآني، هي الضمانة الأساسية لوحدة القرار الجنوبي.
أما الركيزة الثالثة فهي فصل الحوار عن السلاح. لا معنى لحوار يُدار بينما تتحرك القوات أو تُلوّح بالقوة. تحييد المسار السياسي عن أي تصعيد عسكري، واعتبار السلاح خارج قاعة التفاوض، شرط أساسي لصدقية أي حوار وهذا مانبهنا اليه في مقالنا بالأمس تحت عنوان ” هل ستتفادى اليمن فيضانات ما بعد ذوبان الجليد السياسي؟”
ويظل العنصر الأهم هو إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية. الحوار الذي يُدار خلف الأبواب المغلقة، دون شفافية أو مشاركة مجتمعية، سيُنظر إليه – بحق – كجزء من تفاهمات لا تمثل الناس. نشر مداولات الحوار، وإشراك الرأي العام، وربط القوى المشاركة بتفويض اجتماعي واضح، لاتعتبر امور ثانوية، بل جوهر العملية السياسية.
إن الفشل في ضبط هذه المسارات لا يعني فقط تعثر الحوار، بل يعني فتح الباب أمام فراغ سياسي خطير: لا دولة موحدة، ولا جنوب متماسك، بل كيانات ضعيفة تتنازعها الوصايات الإقليمية.
خلاصة القول يمكن ان نقول أن تحذيرات الدويلة لا ينبغي أن تُقرأ كنبوءة حتمية، بل كتحذير يستوجب المعالجة. فالحوار الجنوبي يمكن أن يكون صمام أمان يمنع التفكيك، كما يمكن – إن أسيء تصميمه – أن يتحول إلى مفصل انهيار يشرعن الانقسام.
والفارق بين المسارين لا تصنعه النوايا ولا الشعارات، بل الهندسة السياسية الرشيدة التي تضع مصلحة الناس فوق حسابات القوة، وتربط القرار السياسي بإرادة المجتمع لا بإملاءات اللحظة.



