مقالات الرأي

عدن.. في دائرة التفكير الاستراتيجي البريطاني

بقلم: ا. د أحمد الشاعر باسردة 

ليست عدن مجرد مدينة ساحلية على بحر العرب، ولا مجرد ميناء تاريخي مرّ عليه المستعمر ثم غادر، بل هي في العقل الاستراتيجي البريطاني نقطة ارتكاز لا يمكن إغفالها مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت التحالفات. فهذه المدينة التي كانت يوماً درة التاج البريطاني في الشرق، لا تزال حاضرة في دوائر التفكير في لندن، ليس من باب الحنين الاستعماري، بل من منطلق المصالح الجيوسياسية العميقة التي لم تفقد قيمتها حتى اليوم.

بريطانيا التي أعادت تموضعها العالمي بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تبحث عن نقاط نفوذ مرنة تعزز حضورها في الممرات البحرية الدولية، ولا يوجد أهم من باب المندب وخليج عدن في هذا السياق. ومن هنا تعود عدن إلى الواجهة، ليس كذكرى تاريخية، بل كخيار استراتيجي قابل لإعادة التفعيل، خاصة في ظل حالة السيولة السياسية التي تعيشها المنطقة.

لقد تأكد لصانع القرار البريطاني أن مشروع الوحدة اليمنية، الذي وُلد عام 1990، لم يحقق الاستقرار المنشود، بل تحول إلى مصدر صراع دائم. ومع تعمق الفجوة بين الشمال والجنوب، بات واضحاً أن هذه الوحدة فقدت مكانها في وجدان قطاع واسع من الجنوبيين، الذين يرون فيها سبباً رئيسياً لما آلت إليه أوضاعهم من تدهور سياسي واقتصادي وخدمي.

في المقابل، تدرك بريطانيا أن عدن تمتلك مقومات نهوض حقيقية، ليس فقط بموقعها الجغرافي الفريد، بل أيضاً ببنيتها التاريخية كميناء عالمي، وبما تختزنه من إرث إداري وتجاري وحضاري تشكل خلال عقود من الانفتاح على العالم. هذه المقومات تجعل منها مشروع دولة قابلة للحياة، إذا ما توفرت لها الإرادة السياسية والدعم الدولي المناسب.

ومن هذا المنطلق، يبرز الحديث المتزايد في بعض الأوساط السياسية والفكرية عن إمكانية إعادة دمج الجنوب العربي في منظومة الكومنولث، كإطار سياسي واقتصادي يعيد ربطه ببريطانيا بشكل حديث يقوم على الشراكة لا الهيمنة. هذا الطرح لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى قراءة واقعية لمصالح الطرفين، حيث تحتاج بريطانيا إلى موطئ قدم مستقر في هذه المنطقة الحيوية، بينما يحتاج الجنوب إلى مظلة دولية تساعده على بناء مؤسسات دولة حديثة.

ولا يمكن فهم هذا التوجه دون التطرق إلى ما يُوصف في الأدبيات البريطانية بـ”المسؤولية الأخلاقية” تجاه عدن. فهناك تيار داخل بريطانيا يرى أن انسحاب عام 1967 ترك فراغاً لم يُملأ، وأن المدينة لم تُمنح فرصة حقيقية لبناء مسارها الخاص بعيداً عن الصراعات الإقليمية. ومن هنا يتردد في بعض الأوساط تعبير رمزي يقول إن الوقت قد حان لكي “تحن لندن الكبيرة على لندن الصغيرة”، في إشارة إلى العلاقة التاريخية الخاصة بين المدينتين.

ومنذ خروج بريطانيا، لم تعرف عدن استقراراً حقيقياً، بل ظلت ساحة لصراعات متعاقبة، من صراعات أيديولوجية إلى حروب أهلية، وصولاً إلى تداعيات الوحدة وما بعدها. هذا الواقع جعل المدينة تدفع ثمناً باهظاً، حيث تراجعت خدماتها، وتدهورت بنيتها التحتية، وتعرض نسيجها الاجتماعي لضغوط كبيرة.

في ظل هذا المشهد، لا يبدو مستغرباً أن تعود القوى الدولية إلى التفكير في إعادة ترتيب الأوضاع في هذه المنطقة. وقد لا يكون مفاجئاً، في سياق تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية، أن نشهد حضوراً عسكرياً أو بحرياً بريطانياً متزايداً في سواحل عدن والمكلا وبير علي، تحت عناوين متعددة تتراوح بين حماية الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار.

غير أن أي دور بريطاني مستقبلي لن يكون نسخة مكررة من الماضي، بل سيتخذ شكلاً مختلفاً يقوم على الشراكات والتحالفات، وعلى دعم الكيانات المحلية القادرة على إدارة شؤونها. وفي هذا الإطار، يظل الجنوب العربي مرشحاً ليكون جزءاً من معادلة إقليمية جديدة، إذا ما استطاع توحيد رؤيته السياسية وبناء مؤسساته على أسس حديثة.

 

إن ما يُطبخ على نار هادئة في الكواليس الدولية ليس بالضرورة مؤامرة بقدر ما هو إعادة تشكيل لمصالح تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى مع تطلعات الشعوب. وعدن، بكل ما تحمله من تاريخ وموقع وإمكانات، تقف اليوم مرة أخرى على مفترق طرق، قد يعيدها إلى قلب العالم إذا ما أُحسن استثمار اللحظة التاريخية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل عدن لا يمكن أن يُبنى فقط على إرادة الخارج، بل على قدرة أبنائها على صياغة مشروع وطني جامع، يستفيد من الاهتمام الدولي دون أن يفقد استقلال قراره، ويعيد لهذه المدينة مكانتها  الاستراتيجية ثغر الجنوب العربي.

رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish