أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

الساحل الغربي أمام اختبار الانهيار وضريبة فشل الإدارة السعودية للمعركة

حضرموت نيوز – خاص

لم تعد المعركة في الساحل الغربي مجرد جولة جديدة من جولات الحرب اليمنية، ولا يمكن اختزال ما يجري في تقدم مليشيا الحوثي هنا أو تراجع قوات الشرعية هناك؛ فالتطورات الميدانية المتسارعة تكشف أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة المعركة، ومستوى التنسيق بين القوى المناهضة للحوثيين، وطبيعة القرار العسكري الذي ظل طوال السنوات الماضية أسيرًا للتجاذبات السياسية والحسابات الإقليمية.

ومنذ اندلاع موجة  تصعيد الحوثي الأخيرة في غرب تعز والساحل الغربي، تحولت مناطق الوازعية وحيس والخوخة ومحيط المخا إلى مسرح لمعارك عنيفة ومتسارعة، مع اختراقات حوثية في عدد من المواقع وانسحابات وإعادة انتشار للقوات المدافعة عن الساحل. وتشير أحدث المعطيات إلى أن الحوثيين دخلوا حيس بعد انسحاب القوات منها، بينما لا تزال السيطرة على المخا نفسها موضع تنازع عسكري ولم تُثبت المصادر المستقلة سقوطها بيد الحوثيين حتى الآن.

من توحيد المسميات إلى غياب غرفة العمليات

المفارقة أن هذه التطورات تأتي بعد الإعلان في يناير الماضي عن تشكيل لجنة عسكرية عليا تحت قيادة السعودية والأمير خالد بن سلمان، بهدف إعداد وتجهيز وقيادة مختلف التشكيلات العسكرية، في خطوة قُدمت باعتبارها مدخلًا لتوحيد القرار العسكري واستعادة مؤسسات الدولة.

لكن السؤال الذي تفرضه معركة الساحل اليوم هو: أين انعكاس ذلك التوحيد على الأرض؟

فإذا كانت القوات قد أصبحت، نظريًا، تحت مظلة قيادة عسكرية موحدة، فلماذا ما تزال الجبهات تعمل وفق خرائط متعددة، ولماذا تظهر الثغرات بين المحاور في اللحظات الأكثر حساسية، ولماذا تتمكن ميليشيات الحوثيين من نقل ثقلها العسكري بين الجبهات واستثمار نقاط الضعف بهذه السرعة؟

المشكلة، وفق قراءة ميدانية، لم تكن في غياب المقاتلين أو نقص الخبرة القتالية بقدر ما كانت في غياب منظومة عمليات متماسكة قادرة على تحويل تعدد القوات إلى قوة واحدة ذات قرار واحد.

يناير 2026.. لحظة مفصلية أعادت رسم المشهد

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند العودة إلى أحداث يناير 2026، حين انفجر الصراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بعد المواجهات في حضرموت والمهرة، وما أعقبها من تدخل سعودي مباشر ضد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

وفي 7 يناير، أعلنت قيادة التحالف السعودي تنفيذ ضربات جوية في الضالع وصفتها بأنها «استباقية» بهدف تعطيل تحركات عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي ومنع اتساع الصراع. كما أكدت مصادر دولية تنفيذ أكثر من 15 غارة على الضالع في ذلك اليوم.

وبغض النظر عن الروايات المتعارضة حول تلك الأحداث، فإن نتيجتها السياسية والعسكرية كانت واضحة: انقسام المعسكر المناهض للحوثيين بصورة أكثر حدة، وتراجع الثقة بين مكوناته، وتحول جزء من الجهد العسكري من مواجهة الحوثيين إلى صراع داخل المعسكر نفسه، خصوصا بعد خروج الإمارات من اليمن.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

ففي الوقت الذي كان يفترض أن يجري فيه توجيه كل الإمكانات نحو الجبهات مع الحوثيين، كانت قوات جنوبية تخوض مواجهة مع قوات مدعومة سعودياً في الجنوب، فيما كانت الأولوية المفترضة هي بناء جبهة موحدة ضد الحوثيين، الانتقالي عسكريا وسياسيا أبرز عناونيها.

هل دفعت السعودية ثمن إعادة هندسة المعسكر المناهض للحوثيين؟

من منظور سياسي وعسكري، يصعب فصل أزمة الساحل الحالية عن الطريقة التي أدارت بها الرياض المشهد اليمني خلال الأشهر الماضية.

فالقرار السعودي في يناير لم يكن مجرد إجراء ميداني محدود، بل أدى إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المناطق المحررة، وإضعاف طرف جنوبي كان يمتلك تشكيلات عسكرية كبيرة وخبرة طويلة في مواجهة الحوثيين، وإعادة توزيع النفوذ العسكري لمصلحة تشكيلات مرتبطة بالحكومة والتحالف.

وقد وصفت تقارير دولية تلك التطورات بأنها كشفت عمق الانقسام داخل التحالف الذي تقوده السعودية، وأشارت إلى أن المجلس الانتقالي كان أحد أهم مكونات القوة المناهضة للحوثيين على الأرض.

والنتيجة التي تظهر اليوم في الساحل الغربي تطرح سؤالًا صعبًا: هل كان تفكيك مراكز القوة المتعددة وتغيير خريطة النفوذ أكثر أهمية لدى صانع القرار من بناء جبهة يمنية موحدة قادرة على مواجهة الحوثيين؟

الساحل يدفع ثمن الحسابات السياسية

ما يحدث في الوازعية وحيس ومحيط المخا لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق.

فالساحل الغربي يحتاج إلى قيادة عمليات واحدة، واستخبارات موحدة، وإمداد مستمر، وتغطية جوية فعالة، وتنسيق بين القوات الموجودة على الأرض. أما جمع تشكيلات عسكرية متعددة تحت مسمى واحد دون بناء منظومة قيادة وسيطرة حقيقية، فلا يعني بالضرورة توحيد المعركة.

وفي الأيام الأخيرة، أظهرت المعارك أن الحوثيين قادرون على استغلال أي فراغ بين المحاور، والتحرك باتجاه نقاط الاتصال بين القوات، وتهديد خطوط الإمداد، خصوصًا في المنطقة الممتدة بين غرب تعز والساحل.

وتؤكد المعطيات المنشورة أن الحوثيين حاولوا استثمار محور الوازعية للالتفاف على المخا والضغط باتجاه الساحل الجنوبي للحديدة، فيما تواصلت المواجهات في الكدحة والبرح وحيس ومناطق أخرى.

انتصار المقاتل لا يعفي القيادة من المسؤولية

المقاتل اليمني في الساحل أثبت خلال سنوات الحرب أنه قادر على القتال والصمود، لكن بطولة المقاتلين لا يمكن أن تكون بديلًا عن القيادة العسكرية.

فالمعركة الحديثة لا تُحسم بالشجاعة وحدها؛ بل بالاستطلاع، والاستخبارات، والسيطرة الجوية، والمدفعية، والإمداد، والاحتياط، وتكامل المحاور، وسرعة اتخاذ القرار.

ولهذا فإن أي تراجع ميداني لا ينبغي أن يُحمّل للمقاتلين الذين يقاتلون في الخطوط الأمامية وحدهم، بل يجب أن تُطرح الأسئلة على غرف القيادة التي تضع الخطط وتحدد الأولويات وتوزع الموارد.

وإذا كان الحوثيون قد استطاعوا خلال فترة قصيرة استثمار الثغرات والضغط على أكثر من محور، فإن ذلك يعني أن المشكلة تتجاوز موقعًا عسكريًا سقط أو ارتد عنه المقاتلون، إلى خلل في إدارة المعركة نفسها.

هل يقترب معسكر الشرعية من الانهيار؟

السؤال الأكثر خطورة الآن ليس ما إذا كان الحوثيون يستطيعون تحقيق تقدم إضافي في الساحل، وإنما هل يمتلك معسكر الشرعية القدرة السياسية والعسكرية على منع تحول التراجع التكتيكي إلى انهيار شامل؟

فالمعسكر الحكومي يعاني أصلًا من تعدد القوى وتضارب الأولويات، بينما أظهرت التطورات منذ يناير أن الخلافات بين مكوناته يمكن أن تتحول في لحظة إلى صدام عسكري مباشر.

وفي المقابل، يملك الحوثيون ميزة مركزية تتمثل في وجود قيادة عسكرية وسياسية أكثر تماسكًا وقدرة على تركيز القوة في نقطة محددة عندما تتوافر فرصة الاختراق.

ومع استمرار الضغط على الساحل، فإن فقدان مزيد من المواقع قد يحول المعركة من صراع على خطوط التماس إلى معركة على طرق الإمداد والموانئ والممرات المؤدية إلى المخا وباب المندب.

وهنا تصبح المخا وباب المندب ليسا مجرد أهداف عسكرية، بل عنوانًا لمعركة إقليمية تتجاوز حدود اليمن، خصوصًا أن الساحل الغربي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

إنقاذ الساحل يبدأ بإعادة بناء القرار العسكري

ما يزال بالإمكان وقف التدهور، لكن ذلك يتطلب تغييرًا حقيقيًا في طريقة إدارة المعركة.

المطلوب ليس اجتماعات جديدة ولا بيانات سياسية ولا إعادة توزيع للمسميات، بل:

  • غرفة عمليات موحدة تعمل على مدار الساعة.
  • خريطة عمليات مشتركة لجميع القوات.
  • إغلاق الثغرات بين المحاور.
  • تأمين خطوط الإمداد والطرق الخلفية.
  • تعزيز الاستطلاع والاستخبارات.
  • توفير إسناد جوي ومدفعي فعال.
  • منع تحويل الجبهة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
  • إعادة بناء الثقة بين القوى العسكرية المناهضة للحوثيين.
  • التعامل مع الساحل الغربي باعتباره جبهة استراتيجية مرتبطة بأمن باب المندب، وليس مجرد قطاع عسكري منفصل.

لقد أثبتت الأيام الماضية أن الحوثيين لا يحتاجون إلى إسقاط كل الجبهات دفعة واحدة؛ يكفيهم فتح ثغرة، ثم توسيعها، ثم ضرب خطوط الإمداد، ودفع الخصم إلى إعادة الانتشار تحت الضغط.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجه الساحل الآن.

معركة اليمن.. لا معركة الوصاية

في نهاية المطاف، ما يحدث في الساحل الغربي يجب أن يكون جرس إنذار قبل أن يتحول التراجع إلى انهيار.

فالجنود والمقاتلون الذين يقفون في الخطوط الأمامية ليسوا مسؤولين عن الحسابات التي سبقت المعركة، ولا عن الصراعات التي مزقت المعسكر المناهض للحوثيين، ولا عن قرارات إعادة تشكيل القوات وفق اعتبارات سياسية وإقليمية.

المسؤولية تقع على عاتق من يدير الحرب ويحدد أولوياتها.

وإذا كانت أحداث يناير قد أظهرت أن المعسكر المناهض للحوثيين يمكن أن ينشغل بتفكيك بعضه بعضًا، فإن معركة الساحل تثبت أن الحوثيين هم المستفيد الأول من هذا الانقسام.

لقد حان الوقت لإدراك أن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من هندسة القوى من الخارج، بل إلى قرار عسكري يضع مواجهة الحوثيين وحماية الأرض والممرات الاستراتيجية فوق الحسابات الضيقة.

 

Leave a Reply

Back to top button
en_USEnglish