الجرائم الإلكترونية في اليمن . . حرب خفية تفتك بالمواطنين

متابعات – حضرموت نيوز
في ظل التوسع الكبير في استخدام التقنيات الحديثة والخدمات الإلكترونية في اليمن، يبدو أن الوعي بمخاطر هذه التقنيات لا يزال ضعيفاً، مما يجعل المواطنين عُرضة لجرائم إلكترونية مُتزايدة تتراوح بين الاختراقات الأمنية، والابتزاز المالي، وسرقة البيانات.
وعلى الرغم من الاعتماد الكبير على الإنترنت والتطبيقات المصرفية والأجهزة الذكية، إلا أن غياب التوعية وضعف التشريعات يجعل اليمنيين فريسة سهلة لعصابات الجريمة الإلكترونية المنظمة.
واقعة صادمة، إمرأة يمنية تفقد مُدّخراتها
قضية امرأة يمنية تعرضت للقرصنة الإلكترونية عبر رسالة نصية أُرسلت إلى هاتفها، مما أدى إلى تصفير حسابها البنكي بالكامل في لحظات، وأثار جدلاً واسعاً في الوسط الاجتماعي.
المرأة، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، قالت:
«إنّ المبلغ المسروق ليس بسيطاً، حيث بلغ آلاف الدولارات، ما يُعادل ملايين الريالات اليمنية!» ذكرت ذلك بإحباط بالغ.
ووفقاً لتفاصيل هذه الجريمة، فإن البنك الذي تتعامل معه، وهو أحد البنوك التجارية الخاصة الكبرى في اليمن، لم يقم بأي تحقيقات جادة حتى الآن، بل تعامل مع الواقعة على أنها عملية « قانونية وطبيعية» وفقاً للأساليب المصرفية المُتّبعة، كما ردّ على شكوى الضحية.
هذا الموقف أثار استياء العملاء، الذين يحملون البنك مسؤولية الإهمال في حماية حساباتهم من القرصنة.
ضعف التوعية الأمنية . . ثغرة خطيرة
يشير مُراقبون إلى أنّ ضعف التوعية بالأمن السيبراني في اليمن يُمثل ثغرة كبيرة في مُواجهة الجرائم الإلكترونية، فمع اعتماد 90% من اليمنيين على التقنيات الحديثة في حياتهم اليومية، من الخدمات المصرفية إلى التسوّق الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، يظل المُستخدمون غير مُدركين للمخاطر التي قد تواجههم.
يقول أحد المراقبين:
«الجهات الرسمية المُختصة، مثل وزارة الاتصالات والأمن، بالإضافة إلى القطاعات المصرفية، تتحمل مسؤولية كبيرة في توعية المواطنين بمخاطر الجرائم الإلكترونية، لكنها للأسف تُقصّر في أداء هذا الدور، رغم تسويقها المُستمر للخدمات الإلكترونية لجذب المزيد من العملاء، بل إن هذا الدور غائب تماماً!» كمايصف.
غياب التشريعات . . حرب بلا قوانين
أحد أبرز التحديات التي تواجه اليمن في مواجهة الجرائم الإلكترونية، هو غياب التشريعات والقوانين الحديثة التي تنظم هذا المجال.
فمع دخول التقنيات الحديثة إلى البلد خلال العقد الماضي، لم يتم تحديث المنظومة التشريعية بما يتناسب مع التطورات التكنولوجية.
قصور التشريعات يزيد من تفاقم المشكلة
في المشهد الآخر من هذه الحرب الإلكترونية على الضّحايا، أظهرت دراسة حديثة وجود قصور واضح في القانون اليمني بشأن الحماية الجنائية من جرائم التّزوير الإلكتروني، حيث يقتصر على النصُوص الإجرائية التقليدية دون مُعالجة التطورات التقنية المُتسارعة.
هذه الدراسة، التي أعدها «مراد الصبري» كأطروحة دكتوراه، أكدت افتقار اليمن إلى أجهزة ونيابات ومحاكم مُتخصّصة لمُكافحة الجرائم الإلكترونية، هي السلاح الأهم الذي يفتقر إليه الناس في هذه المعركة لحماية حقوقهم المشروعة جميعها، بما في ذلك جرائم التزوير الإلكتروني.
كما أوصت بضرورة إنشاء مُؤسسات مُتخصّصة وسنّ قانون جديد لمكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وأوضح الباحث أن الحل لا يُكمن فقط في إضافة نُصوص قانونية جديدة أو تعديل القوانين القائمة، بل يتطلب تفعيل الدور الإعلامي، وتعزيز الوعي المُجتمعي، وترسيخ القيم الأخلاقية لمُواجهة هذا النوع من الجرائم.
وتناولت الدراسة، التي حملت عنوان « السياسة الجنائية لمُواجهة جرائم التزوير الإلكتروني في القانون اليمني»، تحليل الأحكام الموضوعية والإجرائية لهذه الجرائم، مُقارنة بالتشريعات التقليدية والمُستحدثة، مع تسليط الضّوء على أهمية التعاون الدولي في مُكافحتها.
وتُشكل جرائم التزوير الإلكتروني تهديداً مُباشراً للثقة العامة، مما يجعلها أكثر تعقيداً من التزوير التقليدي، سواء من حيث اكتشافها، أوصُعوبة إثباتها، أو الحصول على أدلتها، خاصّةً مع التطورات المُستمرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ولم تعد هذه الجرائم مُقتصرة على أفراد أو مُؤسسات داخل الدولة، بل أصبحت عابرةً للحدود، مما يستلزم اتفاقيات دولية لتعزيز الجُهود في مُكافحتها.
أحد الخبراء القانونيين يتحدث عن الظاهرة بمرارة، قائلاً:
«من غير المقبول أن يتم إدخال تقنيات خطيرة وحسّاسة إلى البلاد دون وجود قوانين تُنظم استخدامها، وتحمي المواطنين من مخاطرها.
الجرائم الإلكترونية في اليمن تتم في فراغ قانوني شاسع، مما يُشجع المُجرمين على الاستمرار في أنشطتهم دون الخوف من العقاب!»
الحرب والانقسامات . . بيئة خصبة للجرائم الإلكترونية
أدّت الحرب الدائرة في اليمن مُنذ عشر سنوات إلى تعطيل دور الدولة في تنظيم الخدمات الإلكترونية، ومواجهة الجرائم السيبرانية.
كما أن الانقسامات الداخلية بين الجهات المُتحكمة في الواقع السياسي، جعلت من الصعب إيجاد حلول شاملة لهذه المشكلة.
ويقول مُراقب آخر للأوضاع المحلية:
«الحرب والانقسامات لا تعفي الجهات المُسيطرة على التقنيات والخدمات الإلكترونية من مسؤولية حماية المواطنين.
الجرائم الإلكترونية أصبحت حربًا موازية، لا تقل خطورة عن الصواريخ والألغام، وتستهدف حياة الناس ومدخراتهم التي يُوفرونها بمشقّة!».
جرائم إلكترونية بلا توقف
في ظل غياب التوعية والتشريعات، تظل الجرائم الإلكترونية في اليمن حرباً مفتوحة، تفتك بحياة المواطنين بشراسة، دون مُواجهة حقيقية.
ويُحذّر مُراقبون من أن استمرار هذا الوضع الكارثي سيؤدي إلى سُقوط المزيد من الضحايا في ساحة المعركة، سواء على المستوى المالي أو الاجتماعي، خاصّةً في قضايا تتعلق بالشّرف والخُصوصية.
في الوقت الذي يتزايد فيه اعتماد اليمنيين على التقنيات الحديثة، تظل الحاجة مُلحّة إلى تعزيز التوعية بالأمن السيبراني، وتحديث التشريعات، وتعاون الجهات الرسمية والقطاع الخاص لحماية المواطنين من الجرائم الإلكترونية المُتزايدة، التي تهدد حياتهم ومُدخراتهم الضرورية.
ونختتم الوقوف على المشهد المليء بالضّحايا مع أحد المهتمين بالشأن الأمني السيبراني، وهو من الدارسين في العلوم التقنية:
« الشر يحسم المعركة لصالحه في هذا الجانب من حربه على ضحاياه، حيث يرفع رايته عالياً فوق أبراج شبكات الاتصال، بينما يغيب دور الدولة عن مُواجهة هذه الحرب ال
خفية، التي تُدار من خلف الكواليس باحترافية تفوقت على هشاشة القوانين!»
نقلا عن أنباء تهامة- عبدالرحمن رامي