شبام… من ذاكرة القضاء إلى روحانية الإنشاد ونداء السحور
تقاليد راسخة من خمسينيات القرن الماضي إلى ليالي رمضان اليوم

كتب: علوي بن سميط
في مدينة شبام، حيث ترتفع الأبراج الطينية شاهدةً على قرون من التاريخ، تتعانق سيرة رجال الدولة والعلم مع أصوات المسحراتي وأناشيد الأطفال في ليالي رمضان. مشاهد تبدو متفرقة في ظاهرها، وقياسها الزمني، لكنها ترسم معاً صورة مجتمع يحافظ على مؤسساته وقيمه وتقاليده جيلاً بعد جيل.
إرث قضائي واجتماعي ممتد
تستعيد عائلة آل بن سميط واحدة من صفحات الذاكرة المؤسسية في حضرموت، حين عُيّن العلامة عبدالله مصطفى بن سميط نائباً لعقود الأنكحة والأهلة في لواء شبام عام 1950م بقرار من المحكمة الشرعية، وصدر أمر الموافقة والمرسوم من المجلس العالي بالسلطنة القعيطية.
وبحسب رواية نجله علوي بن سميط، تقدم الوالد في مايو 1959م بطلب إعفائه من المهمة لتعدد مسؤولياته المجتمعية التي كان يؤديها تطوعاً، إلا أن المجلس العالي رد برسالة رسمية جاء فيها: «لن نعذركم ولن نقبل ما طلبتموه… ونرجوكم الاستمرار في عملكم ومثلكم من قدر وطنه وقدر خدمة هذا المواطن» (26 مايو 1959م).

وظل العلامة عبدالله بن مصطفى بن سميط يمارس مهامه الشرعية حتى وفاته في سبتمبر 1970م، جامعاً بين عدة أدوار: نائباً شرعياً لعقود الأنكحة والأهلة، وإماماً وخطيباً لجامع شبام، ومديراً لمدرسة شبام الابتدائية الحكومية منذ عام 1944م.
تجربة تعكس طبيعة المرحلة، حيث كان العالم أو القاضي يؤدي أدواراً تعليمية ودينية وإدارية في آنٍ واحد، في مجتمع يقوم على الثقة والكفاءة الشخصية.
المسحراتي… تقليد يتجدد كل عام
ومع حلول شهر رمضان، تنتقل الصورة من الوثائق الرسمية إلى الأزقة الحجرية. فمع أولى ليالي الشهر الفضيل، ينطلق المسحراتي رياض جمعان سالم خراز يجوب شوارع المدينة التاريخية، مردداً الأهازيج المعتادة: «رحبوا بشهر رمضان يا صائمينا، رحبوا بشهر رب العالمينا».

ينطلق من ساحة الحصن، أكبر ساحات المدينة، في تقليد متوارث منذ مئات السنين، تتناقله الأسرة أباً عن جد. ويؤدي هذه المهمة اليوم الشقيقان صبري ورياض جمعان، محافظةً على طقس اجتماعي لا يقتصر على إيقاظ النائمين للسحور، بل يعيد إحياء شعور الجماعة والانتماء.
في الساعات التي تسبق الفجر، يتحول النداء إلى رابط وجداني بين البيوت المتجاورة، حيث يعرف الجميع صوت المسحراتي، ويتبادلون التهاني بقدوم الشهر المبارك.
«الكيفطاري»… أناشيد الطفولة الأولى
ولا تكتمل ملامح رمضان في شبام دون عادة «الكيفطاري»، التي تُقام في عصريات الأيام الثلاثة الأولى من الشهر. وهي عادة شفاهية متوارثة، تتناوب فيها الفتيات على الإنشاد، بعد أن كانت البنت الأكبر تلقّن من أمامها، بينما يُستخدم اليوم مكبر الصوت، مع الحفاظ على اللحن والمضمون ذاته.
ومن العبارات الشعبية التي ما تزال تُردد:
«إن كان غيضش على شاة اللبن بعتها ليلي دناه يا حبيب»
و*«أبوش قدامش راكب على المهره راعي رسول الله»*
تحمل هذه الأهازيج طابعاً اجتماعياً تربوياً، يعزز قيم التكافل والهوية المحلية، ويمنح الأطفال مساحة للاحتفال المنظم ببداية الشهر الفضيل.

بين الماضي والحاضر
من وثيقة رسمية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، تؤكد تقدير الدولة لرجالها وثقتها بهم، إلى مسحراتي يجوب الشوارع قبيل الفجر، إلى أناشيد الأطفال في عصريات رمضان… تتشكل صورة شبام كمدينة لا تحفظ تاريخها في الأرشيف فقط، بل تعيشه يومياً في عاداتها وسلوكها الجمعي.
في هذا التداخل بين الرسمي والشعبي، بين القضاء والإنشاد، يظهر جوهر المجتمع الشبامي: ترابط مؤسسي قديم، وتقاليد رمضانية نابضة بالحياة، وهو ما يجعل المدينة التاريخية أكثر من مجرد معلم عمراني، بل ذاكرة حيّة تستمر في سرد حكايتها كل عام.



