مقالات الرأي

كيف تنقذ الدولة المعلقة؟ دروس من فكر الفيلسوف الحضرمي عبدالرحمن ابن خلدون

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

قبل أكثر من خمسة قرون، وضع الفيلسوف الحضرمي عبدالرحمن ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، أسسا منهجية لفهم دورة حياة الدول، ودرس بعمق أسباب نشأتها وقوتها ثم ضعفها وسقوطها. فقد لاحظ أن الدولة تقوم على العصبية (أي الرابط الاجتماعي الجامع الذي يمنح الجماعة تماسكها وقوتها) وعلى الهيبة، وأن ضعف الشعور بالولاء الجماعي يؤدي بالضرورة إلى ضعف الدولة، بحيث تصبح معلقة بين الانهيار والوجود الرمزي، ومعرّضة للابتلاع من قوى أقل مرتبة من حيث الشرعية، لكنها أكثر تنظيما وقدرة على فرض النفوذ والسيطرة. المدهش في هذا التحليل أن ما صاغه فيلسوف كندة قبل قرون يبدو اليوم حيا أمام أعيننا في عدد من الدول التي تعيش هشاشة سياسية واضحة، حيث الشرعية ضعيفة، والسلطة بلا أدوات تنفيذية حقيقية، والمؤسسات غالبا شكلية تؤدي أدوارا رمزية، بينما تنشغل النخب بإدارة الأزمة وإطالة عمرها بدل الانصراف إلى بناء الدولة. ويضاف إلى ذلك اقتصاد تابع يعتمد على الخارج أكثر من اعتماده على الإنتاج المحلي، وانقسامات اجتماعية وسياسية عميقة تعيق أي مشروع وطني جامع، فضلا عن تدخل خارجي يحفظ الدولة من الانهيار الكامل لكنه في الوقت نفسه يمنعها من استعادة سيادتها الحقيقية.

 

هذا النمط الذي وصفه ابن خلدون ليس حالة استثنائية أو فردية، بل يمكن رصده في دول عدة عبر التاريخ الحديث، مثل لبنان، وليبيا، والعراق بعد 2003، وأفغانستان قبل 2021، والصومال، حيث تعيش شعوبها بين سلطة جزئية لا تملك القرار الكامل، ومؤسسات ضعيفة، وتبقى رهينة مصالح داخلية وخارجية تحول دون تحقيق استقرار حقيقي أو تنمية مستدامة. وفي مواجهة هذه الدولة المعلقة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمآلاتها المستقبلية: الأول هو الاستمرار في حالة هشاشة ظاهرية، أي بقاء الدولة قائمة شكليا دون أن ينعكس وجودها على حياة الناس أو يوفر لهم الأمن والخدمات؛ والثاني هو الانفجار المؤجل، أي انهيار مفاجئ وغير مُدار يحدث نتيجة تراكم أزمات داخلية خانقة، أو بسبب تدخلات خارجية أو تحولات إقليمية حادة؛ أما المسار الثالث فهو الخروج البطيء والمستدام، وهو الطريق الأصعب لكنه الأكثر أمانا، ويتطلب إعادة بناء مؤسسات حقيقية فاعلة، وإنتاج نخب تفكر بالدولة بوصفها مشروعا وطنيا شاملا لا غنيمة سياسية، وإعلاما واعيا يشرح للناس طبيعة التحديات ويعزز الوعي الاستراتيجي بدل التحريض، مع ضغط اجتماعي مستمر ومنظم بعيد عن ردود الفعل الانفعالية أو الانفجارات العاطفية غير المحسوبة.

 

التاريخ يقدم في هذا السياق دروسا ملهمة، فشعوب مثل رواندا أعادت بناء الدولة أولا قبل الخوض في تفاصيل الديمقراطية وربطت الولاء بالمصلحة الوطنية، وإيرلندا الشمالية نجحت في تحييد السلاح عن السياسة والوصول إلى توافق تدريجي، بينما استطاعت تشيلي بعد فرانكو وإسبانيا بعد الدكتاتورية تحويل الذاكرة المؤلمة إلى مدخل لإنتاج عقد اجتماعي جديد وبناء مؤسسات حديثة. ومن هذه التجارب يمكن استخلاص أدوات الخلاص الأساسية، وفي مقدمتها استعادة فكرة الدولة قبل السلطة، وإنتاج نخب تعمل لمصلحة المجتمع لا لمكاسب شخصية، وإعلام يرفع مستوى الوعي العام بدل تضليله، وضغط اجتماعي متواصل ومنظم، مع فصل لقمة العيش والخدمات الأساسية عن الولاءات السياسية الضيقة.

 

أخطر ما تواجهه الدول المعلقة ليس الانهيار المباشر أو الحرب المفتوحة، بل الاعتياد على غياب الدولة وتحويله إلى أمر طبيعي ومُسلَّم به. فالشعوب التي نجحت في الخروج من هذا النمط لم تنتظر معجزة خارجية، بل بدأت من الداخل بإعادة بناء الثقة، وصياغة مشروع دولة واضح، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. ابن خلدون لم يكتب للتاريخ فقط، بل وضع خارطة فكرية لفهم مصائر الدول والشعوب، وما تزال دروسه قادرة اليوم على إضاءة طريق الخلاص من الدولة المعلقة، متى توفرت الرؤية، والصبر، والعمل المتراكم لتحويل الهشاشة إلى مشروع وطني مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic