مقالات الرأي

حكومة بلا عاصمة… وسيادة بلا دولة لن نُجامل بعد الآن

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

المشكلة في اليمن ليست سوء إدارة مؤقت، ولا تعثّر مرحلة انتقالية، بل غياب الدولة كفكرة وممارسة. كل حكومة تتشكّل دون حسم قضايا العاصمة، والسلاح، والموارد، والقرار الأمني، ليست حكومة إنقاذ، بل إدارة مؤقتة للأزمة.

الحكومة التي لا تستطيع دخول عاصمتها، ولا تأمين وزرائها، ولا عقد اجتماعاتها داخل البلاد، لا تحكم دولة، بل تُدار كملف خارجي. وحين تُترك العاصمة المؤقتة فعليا بيد قوى مسلحة خارج سلطة الدولة، يصبح الحديث عن السيادة أقرب إلى خطاب مُعلّق في الهواء لا إلى واقع سياسي.

عدن، التي من المفترض أنها العاصمة المؤقتة، خارج السيطرة الحكومية الفعلية. والقرار الأمني ليس بيد وزارة الداخلية، والسلاح ليس بيد الدولة، والمنافذ والموانئ لا تُدار بإرادة سيادية شفافة. وأي حكومة لا تعلن موقفا صريحا من هذا الواقع، ومن تعدد الأجهزة المسلحة والسجون الخارجة عن القانون، تتحمّل مسؤولية استمراره، لأن التغاضي في قضايا كهذه ليس موقفا رماديا، بل قبول عملي بتآكل الدولة.

ولا دولة مع سلاح خارجها. توحيد التشكيلات العسكرية، وبناء عقيدة عسكرية وطنية، ووضع كل القوات دون استثناء تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، ليس موضوع مساومة، ولا قضية قابلة للتأجيل، بل الأساس الذي إن سقط سقطت معه فكرة الدولة، بل جوهر الدولة نفسها. تعدد الجيوش والأحزمة والتشكيلات يعني تعدد القرارات، وتعدد الولاءات، وانهيار فكرة القانون من أساسها. والسؤال الذي لا يجوز الهروب منه: هل لدى الحكومة خطة زمنية واضحة لإنهاء هذا التشظي، أم أن الأمر متروك لما يسمى «الواقع» و«التفاهمات»؟

الأمر نفسه ينطبق على الموارد. الدولة التي لا تتحكم بثروتها، ليست دولة. ومع ذلك، فإن استعادة تصدير النفط من ميناء الضبة، وعودة تصدير الغاز من ميناء بلحاف، تمثلان اختبارا سياديا حقيقيا: ليس فقط لإنعاش الاقتصاد، بل لإثبات أن الدولة قادرة على التنفس، وعلى تحويل مواردها إلى رواتب وخدمات وحياة كريمة، لا إلى أوراق ضغط في صراعات النفوذ. دون ذلك، سيبقى الاقتصاد يُدار خارج الخزينة، وتبقى الجبايات بلا قانون، وتبقى السيادة منقوصة.

لكن السيادة ليست اقتصادا فقط، بل عدالة اجتماعية ومؤسسات. إعلان حكومي واضح للحد الأدنى للأجور، وهيكلة عادلة للرواتب، لم يعد ترفا سياسيا بل شرط بقاء. ما يجري اليوم في نظام الخدمة المدنية من توسّع التوظيف بالتعاقد، بأجور لا تتجاوز دولارا واحدا في اليوم، وخاصة في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والجامعات حيث تجاوزت نسبة المتعاقدين 70% في بعض المؤسسات، ليس إصلاحا ولا حلا مؤقتا، بل وضع أقرب إلى نظام سخرة حديث، يُفرغ الدولة من مضمونها الاجتماعي ويحوّل الموظف إلى عامل بلا كرامة ولا أمان.

وفي السياق نفسه، فإن صدور قانون يجرّم خطاب الكراهية والتحريض على التمرد على الدولة، وتفعيل مجلس النواب بدوره الرقابي والتشريعي الحقيقي، وإعادة انتخاب هيئة عليا مستقلة لمكافحة الفساد، كلها ليست إجراءات شكلية، بل مؤشرات فاصلة على ما إذا كانت الدولة تُستعاد فعلا أم يُعاد تدويرها بالمسميات.

وحتى اللحظة، لم تُقدَّم لليمنيين وثيقة واحدة يمكن تسميتها برنامجا حكوميا: لا أهداف واضحة، لا أولويات زمنية، ولا التزامات قابلة للمساءلة. حكومة بلا برنامج، تعني سلطة بلا التزام، وسلطة بلا التزام لا يمكن محاسبتها… أي بلا دولة.

السيادة لا تُقاس بعدد البيانات ولا بحدة الخطاب، بل بالقدرة على العودة الفعلية إلى الداخل، وتوحيد السلاح والعقيدة، واستعادة تصدير النفط والغاز، وضبط الموارد، وإصلاح الأجور، وتفعيل القانون، وإخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء. وإن لم يكن هذا ممكنا، فالأجدر مصارحة الناس بدل الاستمرار في تمثيل دور الدولة أمام شعب يعرف جيدا الفرق بين الكلام والواقع.

الخلاصة التي لا مفر منها:
اليمن لا يحتاج حكومة جديدة فقط، بل صدقا سياسيا.
إما سلطة ببرنامج معلن، ومؤشرات سيادية تُقاس بالفعل لا بالوعود،
أو الاعتراف بأننا أمام سلطة شكلية تُدار من فنادق الخارج، وتُترك الداخل للفوضى.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى العنوان صادقا مهما تغيّرت الأسماء: حكومة بلا عاصمة… وسيادة بلا دولة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic