مقالات الرأي

عيدروس في ذمة الله

بقلم: د. أحمد بن إسحاق

في عام 1978، خرجت صحيفة “صوت الجماهير”، برئاسة تحريرها الأستاذ عبدالكريم حمود صالح، بمانشيت أحمر عريض احتل صدر الصفحة الأولى:
“انقلاب عسكري في صنعاء”
وتحت العنوان مباشرة، وبخط أصغر لا يقل مكرا تسويقيا صحفيا كتب: “التفاصيل في الصفحة العاشرة”.
ارتفعت المبيعات في ساعات، وتناقلت الأيدي الصحيفة بلهفة، وحين وصل القراء إلى الصفحة العاشرة، وجدوا ثلاثة أسطر باردة تقول:
“انقلب العسكري حسين سالم أحمد في قرية بني حشيش، بضواحي صنعاء، من فوق حماره، فأُصيب بدَحَس في الركبة، نُقل على إثره إلى عيادة الأغبري للمجارحة، حيث تم تضميده، وهو الآن بصحة جيدة، ويوجه رسالة عبر الصحيفة لأصدقائه يطمئنهم فيها عن حالته”.
العنوان لم يكن كاذبا، لكنه لم يكن صادقا كما فهمه الناس.

منذ ذلك التاريخ، لم تتغير كثيرا أدوات الإثارة في صحافتنا، سوى أن الحمير استُبدلت بـ”مصادر مطلعة”، والركبة بـ”تطورات خطيرة”، والصفحة العاشرة بروابط ومنصات لا تنتهي.
الغاية واحدة: شدّ الانتباه، ولو على حساب وعي القارئ.

اليوم لم تعد الصحف الصفراء وحدها تمارس هذا الأسلوب، بل صار بعض المغرّدين وصنّاع المحتوى أكثر براعة في فن العنوان الملتبس، يجمعون المشاهدات، ويتركون الحقيقة في الهامش. ضجيج بلا مضمون، وتسريبات بلا مسؤولية، وصمت يُحوَّل إلى مادة خام للإشاعات.

في هذا المناخ المشوَّش، يصبح الغياب خبرا، والاختفاء لغزا، والصمت دليل إدانة أو بطولة، بحسب مزاج المنصّة؛ فتُفسَّر القرارات المؤجلة أكثر مما تُفهم، من تأخر إعلان الحكومة إلى تأخر تحديد موعد الحوار الجنوبي.
هكذا قُرئ صمت علي سالم البيض بعد السابع من يوليو، ليس مجرد موقف هادئ، بل علامة على الهزيمة أو الترقّب. وهكذا فُسّر اختفاء علي عبدالله صالح لأشهر بعد حادث جامع النهدين، بين من أعلن نهايته مبكرا، ومن رآه يعود من تحت الركام. وحتى الغياب المفاجئ لبشار الأسد عن المشهد في لحظات مفصلية تحوّل، في الفضاء الإعلامي، إلى مادة للتكهن أكثر منه واقعة قابلة للتحقق.

فحين تغيب المعلومة، تتكاثر الروايات، ويصبح الفراغ ساحة مفتوحة للتأويل، لا للتحليل.

وهنا نصل إلى عيدروس.

اختفاء قائد في مرحلة سياسية حساسة ليس أمرا اعتياديا، خاصة حين يكون حضوره السابق قائما على الخطاب العالي، والظهور المتكرر، وصناعة الصورة. في السياسة، الفراغ لا يبقى فراغا، بل يمتلئ سريعا بالتأويلات، ويصبح مادة مفتوحة للخصوم قبل الأنصار.

أتباع القادة لا يقلقهم الغياب بحد ذاته، بقدر ما يقلقهم ما يرمز إليه. لأن القائد في الخيال الجمعي ليس شخصا فقط، بل علامة، وحين تغيب العلامة في لحظة حرجة، يختل الإيقاع، ويبدأ السؤال القَلِق:
هل هو انسحاب؟ ضغط؟ تسوية؟ أم عجز عن المواجهة؟

لكن وسط هذا الضجيج كله، تضيع حقيقة بسيطة، واضحة، لا تحتاج إلى مصادر ولا إلى مانشيتات حمراء.
حين نقول إن عيدروس في ذمة الله، فنحن لا نعلن وفاة، ولا نمارس خدعة إعلامية، ولا نبيع وهما. نحن نذكّر بحقيقة كبرى كثيرا ما تُنسى في زحمة السياسة:
أن كل مخلوق، قائدا كان أو تابعا، هو في ذمة الله منذ ولادته حتى وفاته.
السياسة لا تمنح الذِّمَم، ولا تسحبها.
والسلطة لا تحمي أحدا من قدره.
والأشخاص، مهما تضخّم حضورهم، يظلون عابرين.

ربما ليست المشكلة في اختفاء القائد، بل في وهمٍ قديم يتكرر: ربط مصير الجماعات بأفراد، لا بمبادئ، ولا بمؤسسات، ولا بوعي عام قادر على الصمود دون وصاية. هذا الوهم يولد تضخيما هائلا للرموز، ويحوّل الأمل الجماعي إلى رهانات شخصية، فتصبح التطلعات الشعبية مرتبطة بمزاج زعيم أو بقرارات قائد، لا بخطط أو مؤسسات تستطيع تحويل هذه التطلعات إلى واقع ملموس.

في اليمن اليوم ، نرى النتائج واضحة: الموظف المتعاقد يتقاضى أقل من دولار في اليوم، بينما قياداته تتقاضى عشرات الآلاف من الدولارات، ويبدون متفرجين على معاناة الناس، منشغلين باستعراض أحدث موديلات ربطات العنق، والبدلات، والسيارات الفارهة.
حين زار الدكتور بن مبارك أحد مستشفيات عدن، تحدثت إليه إحدى الممرضات امام عدسات الفضائيات قائلة: “راتبي أقل من دولار في اليوم”. ظن آلاف المتعاقدين أن هذه الصرخة ستكون بداية للفرج، إلا أنهم اكتشفوا أن قياداتهم لم تهتم إلا بتفننها في التظاهر بالثروة والحضور، بينما المجالس الشعبية الرقابية المحلية والبرلمانية كانت في موت سريري، عاجزة عن التحسس الحقيقي لهموم الموظفين والمواطنين، أو متابعة موارد الدولة وخطط التنمية.

هذا التضخيم الشخصي والاعتماد المفرط على الأفراد، بدل المؤسسات، يخلق حلقة مفرغة: الأمل يُستثمر في رموز، والقرارات تُتخذ حسب الرغبات، والمواطن يظل أسيرا للمظاهر، لا مستفيدا من سياسات تخدم مصالحه الحقيقية. والأدهى، أن أي غياب أو تقاعس للقائد يُفسَّر فورا كأزمة، لأن المؤسسات الشعبية والرقابية غير موجودة لتملأ الفراغ، وتحول الغياب إلى فرصة للنقاش الواقعي والرقابة الفعّالة، بدل الانبهار بالرمز.

في زمن العناوين الصاخبة، نحتاج إلى هدوء المعنى.
وفي زمن الاصطياد الرخيص للمشاهدات، نحتاج إلى كلمة لا تخدع، حتى لو أغضبت.

وللقارئ الجنوبي، الذي تتجه أنظاره اليوم نحو الحوار الجنوبي وحكومة الكفاءات قيد التشكيل، أقول: القضية الجنوبية ليست مجرد علم أزرق أو أخضر او احمر، بل غياب مؤسسات فاعلة. الشعب الجنوبي، الذي سئم من أثر محاصصات الأحزاب على تدمير مؤسسات خدماته وانهيار اقتصاده، لا يهمه لون العلم بقدر ما يهمه دولة مؤسسات قادرة على إنقاذه.

نعم، عيدروس في ذمة الله… مثلنا جميعا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic