مقالات الرأي

كيف يتم اختيار الحكومات في اليمن؟

بقلم د. احمد بن إسحاق

لم يكن صدى قبول استقالة رئيس الوزراء السابق سالم بن بريك عاديًا في الشارع اليمني. بعد ان ارتبط اسمه، لدى شريحة واسعة من المواطنين، بنجاحات وُصفت بغير المسبوقة في كبح الانهيار المتسارع للعملة الوطنية، في واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية تعقيدًا. ورغم إدراك كثيرين أن هذه النجاحات تحققت في ظل فريق حكومي لم يُتح له اختياره بنفسه، وبصلاحيات محدودة، إلا أن خبر الاستقالة قوبل بشيء من الحسرة والقلق، لا سيما لدى مواطن أنهكته الأزمات ويبحث عن أي بارقة استقرار.

ومع إعلان تكليف شائع الزنداني، اتجهت الأنظار سريعًا إلى قراءة سيرته الذاتية، ومحاولة استشراف ملامح المرحلة القادمة. سيرة تعكس تراكمات طويلة من الخبرة في المجال القانوني والاقتصادي والدبلوماسي، ومحطات عمل داخلية وخارجية توحي بقدرة على فهم تعقيدات الدولة في مراحل الانتقال والأزمات. غير أن السؤال الذي بدأ يتردد في الأذهان لم يكن متعلقًا بالكفاءة الفردية بقدر ما كان متعلقًا ببنية القرار نفسها:
هل سيُمنح الزنداني هامشًا كافيًا من الحرية لاختيار فريقه الحكومي؟ أم أن عوامل سياسية ومناطقية وحزبية وخارجية ستفرض نفسها على عملية الاختيار كما فرضت نفسها على من سبقه؟

هذا التساؤل لا ينفصل عما تناولناه بالأمس في مقالنا المعنون “أعضاء حكومة الزنداني” المنشور عبر صحف عدن الغد، أبين اليوم، لحج الغد، حضرموت نيوز، تاربة اليوم، صدى الحقيقة… حيث حاولنا توصيف خصائص الحكومة التي تحتاجها كل وزارة وفق واقع الحال والأولويات الملحّة، مع الإقرار بأن ليس كل ما يتمناه الشعب يمكن أن يتحقق، فرياح السياسة كثيرًا ما تأتي بما لا تشتهيه أحلام المجتمعات.

ومن زاوية أعمق، فإن هذا الجدل يعيدنا إلى سؤال قديم جديد طرحه الفيلسوف الحضرمي عبد الرحمن بن خلدون قبل أكثر من ستة قرون، حين قال:”الديمقراطية في مجتمع جاهل تتحول إلى غوغا”. فهل كان ابن خلدون ينتقد الديمقراطية ذاتها، أم يحذّر من إسقاط أدوات سياسية متقدمة على مجتمعات لم يكتمل فيها الوعي المؤسسي والاجتماعي؟ وهل يمكن لآليات التعددية والتمثيل أن تؤدي دورها الطبيعي في بيئة تتنازعها الولاءات الأولية والانقسامات الحادة؟

في الحالة اليمنية، يبدو هذا السؤال مشروعًا عند قراءة مسار الجمهورية منذ إعلان الوحدة عام 1990م. فقد شهدت تلك المرحلة تباينًا أيديولوجيًا حادًا بين شريكي الحكم، وصل حد الصدام، ووُصفت لاحقًا – بلسان الرئيس السابق – بأنها مرحلة “مقاومة المد الشيوعي عبر الإسلاميين”. ثم أعقبت حرب 1994م مرحلة تنافس محموم بين مراكز القوى على “ميراث الجنوب”، ما أضعف فكرة الدولة الجامعة، وراكم مظالم سياسية واجتماعية انفجرت لاحقًا في صورة حراك جنوبي بدأ منذ 2003م.
ومع اندلاع الربيع العربي في 2011م، دخلت البلاد مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المشهد السياسي، سرعان ما تداخلت فيها العوامل الداخلية مع تدخلات خارجية مباشرة، هدفت – في جانب منها – إلى إعادة البرمجة والترويض السياسي، لا إلى بناء دولة مستقرة. ثم جاءت الحكومات المتعاقبة في ظل الصراع مع أنصار الله، وما رافقه من تنازع نفوذ بري وبحري، لتصبح الحكومة في كثير من الأحيان انعكاسًا للصراع أكثر من كونها أداة لمعالجته.

في مثل هذا السياق، تبدو الجمهورية اليمنية نظريًا دولة ذات نظام تعددي، لكنها عمليًا تعيش وضعًا انتقاليًا مفتوحًا تتداخل فيه هشاشة المؤسسات مع النزاعات المناطقية والاستقطاب الأيديولوجي والتدخلات الإقليمية وفساد متراكم لم يُعالج جذريًا. وهنا لا يتم اختيار الحكومة بوصفها فريق عمل متجانس، بل بوصفها تسوية سياسية مؤقتة تراعي موازين القوى أكثر مما تراعي احتياجات الإدارة العامة.

ومن الطبيعي، والحال كذلك، أن تُطرح الأسئلة التالية:
هل تسمح طبيعة المرحلة بوزراء ذوي استقلالية عالية؟ أم أنها تفرض شخصيات قابلة للضبط؟
هل تُقدَّم الكفاءة كأولوية فعلية، أم تُؤجَّل لصالح التوازن السياسي؟
إلى أي مدى تؤثر المحاصصة المناطقية والحزبية في توزيع الحقائب؟
وما حجم تأثير الأطراف الخارجية في القبول أو التحفظ على أسماء بعينها؟
وهل يُنظر إلى الحكومة كأداة لمعالجة بنيوية، أم كآلية لإدارة الأزمة وتأجيل الانفجار؟
عندما تكون الحكومة نتاج هذه المعادلات المعقدة، ينعكس ذلك مباشرة على أدائها. فغالبًا ما يتسم العمل الحكومي ببطء القرار، وضعف المبادرة، وتضخم الجهاز الإداري دون فعالية حقيقية، وغياب الرؤية طويلة المدى. وتتحول الوزارات من منصات لاستعادة كفاءة الدولة إلى إدارات لتسيير الحد الأدنى من الخدمات، دون قدرة حقيقية على معالجة جذور المشكلات. وهنا لا تكون المشكلة في الأشخاص بقدر ما تكون في البيئة التي صممت أدوارهم وحدودهم.
وفي ظل الوضع الاقتصادي الضاغط، والانقسام السياسي، وغياب الاستقرار المؤسسي، قد يكون المتوقع حكومة تميل إلى التهدئة أكثر من المواجهة، وتركز على منع الانهيار لا تحقيق النهوض، وتعمل بهوامش ضيقة من القرار تحت سقف توازنات داخلية وخارجية صارمة. فهل يمكن في هذه البيئة الحديث عن حكومة تقود تصحيح اختلالات الدولة؟ أم أن الواقعية السياسية تفرض الاكتفاء بحكومة إدارة مرحلة؟

في الختام، يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس: من سيكون الوزير؟
بل: كيف ولماذا تم اختياره؟
فطريقة اختيار الحكومة تكشف، أكثر من أي خطاب، عن طبيعة المرحلة، وحدود الممكن، وسقف الطموح الواقعي. وفي الحالة اليمنية، يظل الأمل معقودًا على أن تتحول الحكومات من أدوات توازن مؤقت إلى منصات تحسين بنيوي واستعادة ثقة الدولة والمجتمع، ولو تدريجيًا. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تسمح المرحلة بذلك؟ أم أن إدارة الأزمة ستظل الخيار الأقل كلفة؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic