كيف يمكن أن يشارك الحوثي والانتقالي في الدولة الاتحادية القادمة؟

بقلم: د. أحمد بن إسحاق
لم يعد السؤال في اليمن اليوم عمّا إذا كان الحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي سيشاركون في الدولة القادمة، بل كيف ستكون هذه المشاركة، وعلى أي أساس دستوري وسياسي، وبأي ثمن وطني. فتجاهل هذا السؤال لم يعد ممكنًا بعد عقدٍ من الصراع أثبت أن الإقصاء لا يصنع دولة، وأن حشد السلاح والإعلام لا ينتج استقرارًا.
الدولة اليمنية القادمة – إن أُريد لها أن تقوم – لا يمكن أن تُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا بفرض المشاريع بالقوة، بل على قاعدة دستورية واضحة هي:” اليمن دولة تعددية، السيادة فيها للمؤسسات لا للجماعات، وللشعب لا للسلاح.”
لقد قام الدستور اليمني منذ إقراره على مبدأ التعددية، والتداول السلمي للسلطة، وحق الجميع في المشاركة السياسية دون وصاية. وهذا يعني أن من حق أي مكوّن سياسي – الحوثي، الانتقالي، أو غيرهما – أن يحمل مشروعه ويسعى لإقناع المجتمع به، لكن دون أي حق في فرضه بالقوة المسلحة، كما لا يملك خصومه حق إقصائه من المجال العام.
الفيصل بين المشاريع هو صندوق الاقتراع لا ميدان السلاح.
الواقع القائم يفرض الاعتراف بأن الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي باتا قوتين سياسيتين واجتماعيتين فاعلتين. تجاهل هذا الواقع مكابرة، ومحاولة شطبه بالقوة مغامرة مدمّرة. لكن تحويل هذا الحضور إلى كيان مستقل عن الدولة (دولة داخل الدولة) خطر لا يقل فداحة، ولن يقبله منطق السيادة ولا فكرة الدولة الحديثة.
المعادلة المقبولة تتمثل تحويل هذه القوى من سلطات أمر واقع إلى أحزاب سياسية مدنية تخضع لقوانين الدولة. سلاح الدولة يجب أن يكون واحدًا، وقرار الحرب والسلم سياديًا، والجيش وطنيًا جامعًا، والأمن اتحاديًا منضبطًا، لا مليشياويًا متنازعًا.
وإلى جانب توحيد السلاح والسيادة، تبرز مسألة إدارة الثروة بوصفها الركن الأكثر حساسية في أي توافق قادم. فالدولة الاتحادية لا تستقيم إذا استُبدل منطق النفوذ العسكري بمنطق الاستحواذ الاقتصادي، أو إذا عوملت الموارد العامة كغنائم سياسية.
إن الثروة في الدولة الاتحادية يجب أن تُدار بمنطق وطني مؤسسي، يقوم على الفصل بين ملكية الدولة وإدارة الأقاليم، وعلى توزيع عادل وشفاف للإيرادات بين المركز والأقاليم وفق معايير دستورية معلنة، تضمن حق المناطق المنتِجة وتحافظ على التضامن الوطني.
كما يتطلب بناء اقتصاد مستقر إخضاع الموارد السيادية – النفط، الغاز، الموانئ، الجمارك، الضرائب – لرقابة اتحادية مستقلة تمنع الفساد وتحمي المال العام، وتوجّهها نحو التنمية والخدمات وخلق فرص العمل لكل اليمنيين، لا لمكاسب حزبية أو شخصية.
وفي صلب أي تسوية جادة، تبرز مسألة تشكيل حكومة توافق لا بوصفها محاصصة ظرفية، بل أداة انتقال مسؤولة لإدارة مرحلة استثنائية. فالحكومة المطلوبة ليست حكومة تقاسم نفوذ، بل حكومة توافق وطني تُعبّر عن الإرادة الشعبية بقدر ما تسمح به المرحلة، وتُهيّئ البلاد للانتقال نحو الاستقرار الدستوري.
ويقتضي ذلك أن تُشكّل على أساس نتائج انتخابات إقليمية حرة داخل الدولة الاتحادية، بحيث تُمثَّل الأقاليم وفق ثقلها الانتخابي، لا وفق منطق السلاح. مع الفصل بين التمثيل السياسي والإدارة التنفيذية، وإسناد الحقائب السيادية والخدمية إلى كفاءات وطنية مستقلة أو تكنوقراط متوافق عليهم.
إن تقليص عيوب المحاصصة لا يكون بإلغائها، بل بتحديد سقف زمني للحكومة وربط عملها بخطة إنقاذ اقتصادي واجتماعي واضحة، وخضوعها للرقابة البرلمانية والتقييم الدوري أمام الرأي العام، لتكون جسر عبور نحو الدولة لا بديل عنها.
وفي هذا السياق، لم تعد الفيدرالية مطلبا نظريًا، بل المخرج العملي الوحيد لإنقاذ اليمن مما لحق بفكرة الوحدة من تشويه. الفيدرالية لا تعني تفكيك الدولة، بل إعادة بنائها على أسس عادلة تمنع عودة المركزية القاتلة.
اليمن اليوم جزء من مجتمع دولي مترابط، تُقاس فيه شرعية الدول بقدرتها على إنتاج الاستقرار لا على تصدير الفوضى. فاليمن بتاريخه الحضاري الغني في قيم العدل والتعايش، يجب أن يتحول من عبء على العالم إلى نموذج وطني ناضج في المسؤولية الأخلاقية والسياسية، ليجسد مفهوم “يمن الحكمة السعيد”.
ولا يمكن لليمن أن يستعيد مكانته هذه أو يجذب دعمًا دوليًا حقيقيًا دون خطوة شجاعة نحو التوافق الشامل، بوصفه المدخل الوحيد لتشييد دولة اتحادية مستقرة، منتجة، ومتصالحة مع ذاتها والعالم.
من هنا، تبرز الحاجة العاجلة إلى فتح طاولة حوار يمنية- يمنية خالصة، تضم بالدرجة الاساسية الحوثيين والانتقالي بوصفهم أحزابًا سياسية لا سلطات موازية، ويشارك فيها ممثلون عن الشرعية، وأحزاب اللقاء المشترك، ويشرف على تهيئة اجوائها قيادات مجلس النواب في عدن وصنعاء. طاولة لحسم الخلاف سياسيًا عبر وثيقة دستورية–سياسية جديدة تُصحّح مسار مخرجات الحوار الوطني وتُعرض على البرلمان لإقرارها والعمل بها فورًا.
لقد أثبتت التجربة أن الإصرار على الأدوات ذاتها لا ينتج إلا الفشل ذاته، بكلفة إنسانية أعلى. التنازل المتبادل لم يعد مطلبا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية.
فلا أحد قادر على حكم اليمن منفردًا، ولا أحد مخوّل بإلغاء بقية اليمنيين. والشعب اليوم، بما راكمه من وعي، قادر – عند اتاحة الفرصة له عبر انتخابات حرة –أن يكون الحكم العادل المنصف والفاصل بين الجميع.
اليمن لا ينقصه الرجال ولا الأفكار ولا الموارد، بل ما ينقصه هو الشجاعة في مراجعة الذات والاحتكام للدستور بصدق.
ولهذا فإننا نقول: “إما دولة يتشاركها الجميع… أو فراغ يبتلع الجميع”.



