مقالات الرأي

إيران العاقلة… وإيران المجنونة؟

بقلم: أ.د أحمد الشاعر باسردة

يطرح توصيف “إيران العاقلة” في مقابل “إيران المجنونة” مقاربة تحليلية تتجاوز السطح الخطابي إلى عمق السلوك الاستراتيجي للدولة الإيرانية، حيث لا يمكن فهم تحركاتها إلا بوصفها مزيجًا مركبًا من العقلانية السياسية والاندفاع الأيديولوجي. فإيران، كغيرها من الدول ذات المشاريع الإقليمية، تتحرك ضمن مسارين متوازيين: مسار محسوب يهدف إلى الحفاظ على النظام واستمراريته، ومسار ضاغط يسعى إلى فرض النفوذ وتغيير موازين القوى، حتى لو اقترب من حافة المخاطرة.

ضمن هذا الإطار، تبدو “إيران العاقلة” حاضرة بقوة في طريقة إدارتها للصراع، إذ تعتمد على مبدأ “الردع المرن” الذي يوازن بين إظهار القوة وتجنب الحرب الشاملة. فهي تدرك أن استخدام الصواريخ الباليستية أو غيرها من أدوات القوة لا يجب أن يتجاوز سقفًا معينًا، لأن أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع قوى كبرى أو تحالفات إقليمية قد يهدد وجودها ذاته. لذلك نراها تمتص الضربات، أو ترد عليها بشكل غير مباشر، أو تؤجل الرد إلى توقيت أكثر ملاءمة، في إطار حسابات دقيقة تتعلق بالكلفة والنتيجة. هذا السلوك ليس ضعفًا، بل هو تعبير عن فهم عميق لطبيعة الصراع غير المتكافئ، حيث تصبح إدارة الوقت وتوزيع الضربات جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية.

كما أن هذا الوجه “العاقل” يتجلى في الانخراط الدبلوماسي، سواء عبر القنوات العلنية أو الخلفية، بهدف تخفيف حدة التوتر وفتح مسارات تفاوضية، حتى في ذروة التصعيد. فالدولة التي تمتلك مشروعًا طويل الأمد لا يمكن أن تغامر بكل أوراقها دفعة واحدة، بل تحرص على الاحتفاظ بهوامش حركة تسمح لها بالمناورة والتراجع التكتيكي عند الضرورة.

في المقابل، يبرز ما يمكن تسميته بـ”إيران المتهورة” أو “المندفعة”، وهي الحالة التي تتقدم فيها الاعتبارات الأيديولوجية أو الرغبة في استعادة الهيبة على حساب الحسابات الدقيقة. في هذا السياق، تتحول التهديدات إلى أداة ضغط قصوى، ويتم التلويح باستخدام أسلحة جديدة أو توسيع نطاق العمليات بشكل مفاجئ، بما يشمل استهدافات متعددة في وقت واحد، سواء داخل نطاق الصراع المباشر أو خارجه. هذا النمط من السلوك يحمل في طياته مخاطر كبيرة، لأنه قد يؤدي إلى سوء تقدير من الأطراف الأخرى، أو إلى ردود فعل غير متوقعة تخرج عن السيطرة.

وتزداد خطورة هذا المسا إلى استهداف دول الجوار، مثل دول الخليج أو الأردن، لأن ذلك لا يعني فقط توسيع دائرة الصراع، بل إدخال أطراف جديدة ذات قدرات وتحالفات مختلفة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد إقليمي واسع. وفي هذه الحالة، يصبح الصراع متعدد الجبهات، وتتعقد معادلات الردع، وتزداد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

إن الحديث عن “حرب ثقيلة” تلوح في الأفق لا يمكن فصله عن طبيعة التفاعلات الجارية، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الضغوط السياسية، وتُستخدم التهديدات كجزء من لعبة التوازنات. ومع ذلك، فإن أي انتقال فعلي إلى مرحلة الحرب الشاملة سيعني إعادة تشكيل جذرية للخريطة الجيوسياسية في المنطقة، سواء من حيث ممرات الطاقة، أو خطوط النفوذ، أو طبيعة التحالفات. وهنا تبرز إشكالية كبرى، وهي أن دول المنطقة، منفردة، قد لا تمتلك القدرة الكافية على مواجهة هذه التحولات، ما يعيد طرح فكرة العمل الجماعي والدفاع المشترك كخيار استراتيجي وليس ترفًا سياسيًا.

وفي هذا السياق، فإن الاعتداء على دول عربية خارج نطاق الصراع المباشر سيُنظر إليه بوصفه تجاوزًا للخطوط الحمراء، ليس فقط إقليميًا بل دوليًا، لأنه يهدد استقرار منظومة كاملة من المصالح المرتبطة بأمن الطاقة والتجارة الدولية. لذلك، فإن مثل هذه الخطوات، إذا حدثت، لن تمر دون ردود فعل واسعة، وقد تؤدي إلى تسريع وتيرة التحالفات المضادة.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد النفسي والإعلامي في هذا المشهد، حيث تلعب التصريحات المتشددة والتلميحات بامتلاك “أسلحة غير تقليدية” دورًا في صناعة الردع أو رفع سقف التوقعات. غير أن هذه الرسائل، في كثير من الأحيان، تندرج ضمن إطار الحرب النفسية، وتهدف إلى التأثير على حسابات الخصوم أكثر من كونها تعبيرًا عن نوايا تنفيذية مؤكدة. فالدول، حتى في أقصى حالات التوتر، تدرك أن استخدام أدوات تدميرية غير مسبوقة قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، ويضع الجميع أمام كلفة وجودية.

في المحصلة، لا يمكن الفصل الحاد بين “إيران العاقلة” و”إيران المجنونة”، لأنهما في الواقع وجهان لسلوك واحد يتغير وفق السياق والظروف. فالعقلانية قد تتراجع تحت ضغط الأحداث، كما أن الاندفاع قد يُضبط عند حدود معينة بفعل الحسابات الواقعية. وبين هذين الحدين، تتحرك إيران في مساحة رمادية، تحاول من خلالها تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من الخسائر.

إن مستقبل المرحلة المقبلة سيتحدد بناءً على أي من هذين المسارين سيكون أكثر حضورًا وتأثيرًا: مسار الاحتواء والتدرج، أم مسار التصعيد والمغامرة. وفي ظل تعقيد المشهد الإقليمي والدولي، فإن أي خطأ في التقدير قد لا يكون مجرد حادث عابر، بل نقطة تحول تعيد رسم ملامح المنطقة لسنوات طويلة قادمة، وتفرض واقعًا جديدًا على جميع الأطراف دون استثناء

رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic