مقالات الرأي

جنوبٌ ينهض من كبوته… إرادة التاريخ وصناعة المستقبل

بقلم: أ.د أحمد الشاعر باسردة

في خضم التحولات العاصفة التي تمر بها المنطقة، تبرز قضية الجنوب بوصفها ليست مجرد مطلب سياسي عابر، بل تعبيرًا عميقًا عن إرادة شعبٍ تشكّلت هويته عبر التاريخ، وتراكمت تجربته بين المدّ والجزر، وبين الانكسار والنهوض. إن ما يعيشه الجنوب اليوم لا يمكن قراءته خارج سياق هذه الدورة التاريخية التي أثبتت أن الشعوب الحيّة لا تموت، وأن الكبوات مهما طالت تظل لحظات عابرة في مسار طويل من الصمود والتجدد.

لقد أثبتت التجربة أن التحديات التي تواجه الجنوب، سواء تمثلت في تضييق على مكوناته، أو تفكيك في بناه العسكرية، أو تباينات داخلية بين أبنائه، لا تعني نهاية المشروع، بل قد تكون في جوهرها لحظة مراجعة ضرورية تعيد ترتيب الأولويات وتدفع نحو إعادة بناء الوعي الجمعي على أسس أكثر صلابة ونضجًا. فالأمم لا تتشكل في أوقات الرخاء، بل تُصقل في لحظات الاختبار، والجنوب اليوم يقف أمام اختبار تاريخي يتطلب من أبنائه تجاوز خلافات الماضي، والنظر إلى المستقبل بعين المسؤولية لا بعين الانقسام.

إن استدعاء التاريخ ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لبناء الحاضر. فحين نستحضر رمزية ردفان، وحضرموت، وشبوة، فإننا لا نستدعي جغرافيا فحسب، بل نستحضر منظومة من القيم التي قامت عليها تلك المحطات: الشجاعة، الكرامة، والتضحية من أجل الأرض والإنسان. هذه القيم يجب أن تتحول من مجرد سرديات إلى برامج عمل، ومن ذكريات إلى أدوات توحيد تعيد لُحمة الصف الجنوبي.

وفي هذا السياق، تبرز مدينة عدن بوصفها القلب النابض لهذا المشروع، ليس فقط لما تمثله من ثقل تاريخي، بل لما تختزنه من رمزية جامعة قادرة على احتضان كل التنوع الجنوبي. عدن لم تكن يومًا مدينة إقصاء، بل كانت دائمًا فضاءً مفتوحًا للتلاقي، ومركزًا لصياغة الهوية المشتركة، وهي اليوم مدعوة لتلعب هذا الدور مجددًا عبر احتضان مشروع وطني جامع يتجاوز الأطر الضيقة ويستوعب الجميع.

إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى الجنوبية، بمختلف مكوناتها، أن تدرك أن الرهان الحقيقي لم يعد على تعدد الكيانات بقدر ما هو على قدرتها على التوحد حول مشروع واضح المعالم. وهنا يبرز دور تجمع اتحاد الجنوب العربي كإطار جامع يسعى إلى لمّ الشمل وتوحيد الرؤى، والدفع نحو بناء مشروع سياسي متكامل يعبر عن تطلعات أبناء الجنوب كافة. فمثل هذه المبادرات لا تمثل كيانًا إضافيًا بقدر ما تمثل فرصة تاريخية لإعادة تنظيم الصف، وترتيب الأولويات، والانطلاق نحو عمل مؤسسي قادر على مواجهة التحديات.

فالتاريخ لا يرحم المتفرقين، ولا يمنح الفرص إلا لمن يحسن استثمارها. ومن هنا، فإن الدعوة إلى تشكيل قيادة جماعية أو إطار سياسي جامع ليست مجرد خيار تنظيمي، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها، خصوصًا في ظل الحاجة إلى مظلة تستوعب مختلف المكونات وتمنحها مساحة للعمل المشترك بعيدًا عن التنازع.

ولا يمكن لأي مشروع أن ينجح دون إرادة شعبية واعية تدرك حجم التحديات وتستعد لدفع ثمن التغيير. فالشعوب التي تصنع مستقبلها هي تلك التي تتحرر من اليأس، وتؤمن بقدرتها على الفعل، وتحوّل معاناتها إلى طاقة بناء لا إلى وقود صراع داخلي. الجنوب اليوم بحاجة إلى هذا التحول في الوعي، بحاجة إلى أن يضع ماضيه، بكل ما فيه من خلافات، خلفه، وأن ينطلق نحو المستقبل بروح جديدة قوامها التلاحم والتسامح والعمل المشترك.

إن الحديث عن استعادة الأرض والقرار ليس شعارًا عاطفيًا، بل مشروعًا يحتاج إلى أدوات، وإلى رؤية، وإلى عمل دؤوب يتجاوز ردود الفعل إلى الفعل المنظم. وهذا لن يتحقق إلا عبر إعادة ترتيب الأولويات، ووضع مصلحة الجنوب فوق كل اعتبار، والعمل على بناء مؤسسات قادرة على تجسيد هذا المشروع على أرض الواقع، وهو ما يمكن أن يشكّل فيه تجمع اتحاد الجنوب العربي رافعة تنظيمية وسياسية إذا ما أُحسن توظيفه ضمن رؤية جامعة.

وفي النهاية، فإن ما يمر به الجنوب اليوم هو، في جوهره، كبوة حصان، لكنها ليست النهاية. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تمتلك إرادة الحياة لا تنكسر، بل تعود أكثر قوة وصلابة. الجنوب يمتلك من المقومات ما يؤهله للنهوض، ويمتلك من الإرادة ما يكفي لصناعة مستقبله، ويبقى التحدي الحقيقي في قدرته على توحيد صفوفه، واستثمار هذه اللحظة التاريخية لصالحه. فحين تتوحد الإرادة، يصبح المستحيل ممكنًا، وحين يلتقي الحلم بالفعل، يولد المستقبل

رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic