أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

أكاديمي جنوبي: لمراجعة شاملة للمسار السياسي في الجنوب ومظلة جامعة من دون إقصاء 

خاص – حضرموت نيوز

دعا الأكاديمي والسياسي الجنوبي أ.د. احمد الشاعر باسردة، إلى استثمار مرحلة ما بعد الحروب الإقليمية المتوقعة في إجراء مراجعات جذرية للسياسات وبناء مشروع وطني جنوبي قائم على الشراكة والتعددية، محذرًا من مخاطر تكرار الأخطاء السابقة والاعتماد على الدعم الخارجي.

وأكد باسردة، في مقال تلقى حضرموت نيوز، نسخة منه،  أن الجنوب يقف أمام لحظة تاريخية حاسمة قد تحدد مستقبله السياسي لسنوات طويلة، مشددًا على ضرورة توحيد المكونات الجنوبية تحت مظلة جامعة وصياغة رؤية عملية قابلة للتنفيذ.

وإليكم نص المقال كاملة: 

بعد أن تضع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية أوزارها، ويخفت أزيز الرصاص الذي ملأ الآفاق ضجيجًا ورعبًا، ستجد الدول نفسها أمام لحظة صدق نادرة؛ لحظة تعرّي السياسات، وتنكشف فيها الحسابات، وتُفرض فيها مراجعات قاسية لا تقبل التأجيل. عندها فقط ستتنفس الشعوب، لا لأن الخطر قد زال، بل لأن الفرصة قد وُلدت من رحم الألم، فرصة إعادة التوازن، وإعادة تعريف الأولويات، وبناء هياكل أكثر نجاعة تتناسب مع متطلبات مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: البقاء للأقدر على التكيّف.

لقد كان الدرس في هذه الحرب قاسيًا إلى حد لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه، خصوصًا في الجنوب الحزين، ذلك الجنوب الذي أفنينا أعمارنا نحلم له بالاستقرار والتنمية والنهضة. هذا الجنوب الذي لم يكن ينقصه الإمكانات بقدر ما كان ينقصه العقل المختلف، العقل الذي يتحرر من إرث الجمود، ويتجاوز أنماط التفكير التي كبّلته لعقود، وفي مقدمتها تلك التي كرّسها الحزب الاشتراكي في مراحل سابقة، حيث تم تغييب المبادرة الفردية لصالح قوالب أيديولوجية لم تعد صالحة لعصرنا.

اليوم نحن أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، لحظة قد تكون فاصلة في تاريخ الجنوب كله. إن لم تُستثمر هذه اللحظة بجدية ومسؤولية، فإننا لا نخاطر فقط بتعثر مشروعنا، بل قد نكون بصدد طي صفحة الجنوب كما حلمنا به إلى الأبد. وهذه ليست مبالغة، بل قراءة واقعية لمسار تتكرر فيه الأخطاء ذاتها، وكأننا لم نتعلم شيئًا.

لقد أُغرقت القيادة، ممثلة في الانتقالي الجنوبي، بعشرات النصائح والرؤى، لكن كثيرًا منها لم يجد طريقه إلى التنفيذ، إما بدافع الخوف، أو التردد، أو الحرص على ما يشبه “جوهرة” اتضح لاحقًا أنها وهم لا يسمن ولا يغني من جوع. وفي لحظات قليلة، يمكن أن تتحول التراكمات السلبية إلى انهيار مفاجئ، يضع كل شيء في مهب الريح. ولعل أخطر ما في الأمر ليس السقوط ذاته، بل تكرار أسبابه.

ولهذا، فإن أولى خطوات التصحيح تبدأ من الاعتراف بأن المرحلة القادمة لا تحتمل الإقصاء ولا التفرد، بل تتطلب لملمة الطيف الجنوبي بكل مكوناته، تحت مظلة جامعة، تُصاغ أدبياتها بشكل تشاركي، يعكس التنوع الحقيقي في الجنوب، ويمنحه قوة بدل أن يكون مصدر ضعف. فالمشروع الجنوبي لن يُحمى بالشعارات، بل ببناء نسيج سياسي واجتماعي متماسك، قادر على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية.

إن التعويل على “الآخر” لم يكن يومًا رهانًا ناجحًا. الآخر لا يأتيك بجنوب، ولا يمنحك تنمية، بل قد يقدم لك وعودًا مغلفة بعناية، ظاهرها العسل وباطنها السم. والتاريخ مليء بالشواهد على شعوب انتظرت الحلول من الخارج، ففقدت كل شيء في الداخل. الجنوب مطالب اليوم أن يؤمن بذاته، وأن يبني مشروعه بيد أبنائه، لا بأجندات الآخرين.

نحن بحاجة إلى خارطة سياسية واجتماعية مركبة، لا تكتفي بتحديد الأهداف، بل ترسم الوسائل، وتحدد الأدوار، وتبني مؤسسات قادرة على التنفيذ. خارطة تواكب تطلعات شعب الجنوب، وتستجيب لتحديات الواقع، وتستفيد من دروس الماضي دون أن تبقى أسيرة له.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المفكرين والنخب داخل الانتقالي وخارجه، ليس فقط في التنظير، بل في المبادرة الفعلية لجمع الصف، وفتح قنوات الحوار، وصياغة رؤية مشتركة يمكن تحويلها من أفكار في الأذهان إلى خطط على الورق، ومن ثم إلى واقع ملموس. فالتاريخ لا يُصنع بالأمنيات، بل بالإرادة والعمل.

ولعل ما يُقال عن مشاريع إعادة تشكيل المنطقة، والذي يُنسب أحيانًا إلى شخصيات فكرية مثل George Bernard Shaw، يذكرنا بأن العالم لا ينتظر المترددين. من لا يرسم مستقبله بنفسه، سيرسمه له الآخرون وفق مصالحهم، لا مصالحه.

إن الجنوب اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحول إلى مشروع دولة، أو يبقى ساحة صراع للمشاريع. وبين الخيارين، تقف الإرادة الجنوبية، فإما أن تعانق التاريخ او نسكت إلى الأبد .. هذه دعوة عاجلة غير قابلة للتأجيل ادرسوها ونفذوها ونحن معكم في مقدمة الصفوف بالكلمة والقلم

أ.د. أحمد الشاعر باسردة

رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic