مقالات الرأي

حوار ( الرياض) البقاء أو الفناء

بقلم: ا.د أحمد الشاعر باسردة

يشكّل الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في الرياض محطة سياسية مفصلية لإعادة ترتيب البيت الداخلي وبناء رؤية مشتركة للمستقبل، وفي هذا الإطار يبرز تجمع اتحاد الجنوب العربي بوصفه أحد المكونات القادرة على الإسهام بدور توازني يعزز فرص النجاح ويحدّ من احتمالات التعثر. فالمسؤولية الوطنية في مثل هذه اللحظات لا تقاس بحجم الحضور الشكلي، بل بمدى القدرة على تقديم مبادرات عملية تُرسّخ الشراكة وتؤسس لمسار مستدام يقوم على التوافق والتنفيذ الواقعي.

إن أولى الخطوات الضرورية لإنجاح الحوار تتمثل في تهيئة المناخ السياسي والنفسي الملائم، عبر تثبيت مبدأ الشراكة وعدم الإقصاء، والابتعاد عن لغة التخوين أو الاحتكار، والعمل على تهدئة الخطاب الإعلامي بما يخلق بيئة ثقة متبادلة بين مختلف المكونات. كما أن توفير ضمانات سياسية واضحة، والاتفاق على وثيقة مبادئ تحدد أهداف الحوار وسقفه الزمني ومرجعياته، يمثلان قاعدة صلبة لانطلاق عملية حوارية متوازنة. وفي هذا السياق يمكن للتجمع أن يؤدي دورًا جامعًا من خلال تقريب وجهات النظر، وطرح صيغ توافقية تمهّد للانتقال السلس إلى مرحلة النقاشات التفصيلية.

ويُعد تشكيل لجنة تحضيرية متوازنة حجر الزاوية في نجاح أي حوار جاد، إذ ينبغي أن تستند إلى معايير شفافة تضمن التمثيل العادل للمكونات السياسية والمناطقية، مع إشراك المرأة والشباب والاستعانة بخبراء قانونيين ودستوريين لضبط الإطار المؤسسي للنقاش. كما يتعين الاتفاق مبكرًا على آلية واضحة لاتخاذ القرار، يكون التوافق فيها هو الأصل، مع تحديد نسبة أغلبية موصوفة للحسم عند تعذر الإجماع، بما يمنع الانسداد ويصون روح الشراكة في آن واحد.

أما على مستوى إدارة الجلسات، فإن الاتزان يقتضي توزيع النقاش على محاور متكاملة تشمل الرؤية السياسية المشتركة، وشكل الدولة والنظام الإداري، وآليات إدارة الموارد وتقاسم الثروة، إضافة إلى إعادة تنظيم البنية الأمنية والعسكرية وفق أسس وطنية مهنية، ومعالجة آثار الصراعات السابقة من خلال آليات واضحة للعدالة الانتقالية وجبر الضرر والمصالحة المجتمعية. ويمكن للتجمع أن يسهم في هذه المرحلة عبر تقديم أوراق عمل مدروسة تعكس مقاربة واقعية تراعي التوازن بين الطموحات السياسية والإمكانات الفعلية، وتبتعد عن الشعارات غير القابلة للتطبيق.

ولا يقلّ عن ذلك أهمية تحويل مخرجات الحوار إلى وثيقة توافق وطني جامعة، تتضمن التزامات محددة وخطة تنفيذ زمنية واضحة، مع توزيع دقيق للمسؤوليات بين الجهات المعنية، بحيث لا تبقى النتائج في إطار البيانات السياسية، بل تتحول إلى برنامج عمل قابل للقياس والمتابعة. فالنجاح الحقيقي لأي حوار يتجلى في قدرته على الانتقال من مرحلة التفاهم النظري إلى مرحلة التطبيق العملي، عبر تشكيل لجنة متابعة مستقلة، وإقرار تقارير دورية تعزز الشفافية وتعيد الثقة بين القيادة والشارع.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور الذي قامت به المملكة العربية السعودية في رعاية هذا الحوار وتهيئة الظروف الملائمة لانعقاده، التي سوف توفر مناخًا داعمًا ومساحة آمنة للنقاش المسؤول، بما يعكس حرصها على دعم الاستقرار وتعزيز مسارات التفاهم بين الأطراف الجنوبية. إن هذه الرعاية تمثل عامل دعم مهم لإنجاح الجهود السياسية، وتؤكد أهمية الإسناد الإقليمي في ترسيخ فرص التوافق والاستقرار.

إن مساهمة تجمع اتحاد الجنوب العربي في حوار الرياض يمكن أن تشكل إضافة نوعية إذا ارتكزت على خطاب جامع، ورؤية عملية، وإصرار على ترسيخ مبدأ التوازن بين مختلف القوى، بما يمنع تغليب طرف على آخر ويعزز منطق الشراكة الوطنية. فالحوار ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة بناء الثقة وصياغة مشروع سياسي متماسك يستند إلى التوافق والالتزام والتنفيذ الرشيد. وعندما تتكامل الإرادة السياسية مع وضوح الخارطة التنفيذية، يصبح الحوار خطوة تأسيسية نحو استقرار مستدام ورؤية جنوبية مشتركة قادرة على مواجهة التحديات بروح مسؤولة ومتماسكة وحرص على مستقبل الأجيال القادمة ، وهى فرصة اخيرة يكون فيها جنوب متماسك او يذوب إلى الأبد

*رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic