أهم الاخبارتقارير وتحقيقات

إلى شباب اليمن وإلى الرياض: آن أوان تجديد الدولة وطي صفحة النخب التقليدية

كتب- محمد سالم بن حمدين 

في قراءة سياسية معمّقة لمسار الدولة اليمنية منذ 2011، دعا الكاتب محمد سالم بن حمدين إلى ضرورة كسر حلقة إعادة إنتاج النخب التقليدية، وفتح المجال أمام جيل جديد لتولي أدوار قيادية في أي حوار وطني أو جنوبي قادم، معتبرًا أن تجديد الدولة يبدأ بتجديد أدواتها ونخبها، لا بإعادة توزيع المواقع داخل الدائرة ذاتها.

وقال بن حمدين إن مشهد اختتام إحدى الورش السياسية الأخيرة حول جنوب اليمن أعاد إلى الأذهان “ذاكرة سياسية ثقيلة”، إذ ضمّت وجوهًا خبرها اليمنيون في مواقع السلطة أو في ظلالها، معتبرًا أن ما يجري اليوم لا يتجاوز في كثير من الأحيان إعادة تموضع داخل النظام نفسه، لا قطيعة سياسية حقيقية مع الماضي.

من المبادرة الخليجية إلى تمديد المرحلة الانتقالية

استعاد بن حمدين محطة عام 2011، حين دخل اليمن مرحلة انتقالية بموجب المبادرة الخليجية، كان يفترض أن تنتهي خلال عامين فقط، عبر حوار وطني يعيد صياغة العقد الاجتماعي، ثم انتخابات تفضي إلى انتقال السلطة لجيل جديد.

غير أن المرحلة الانتقالية، التي تولى إدارتها نائب الرئيس آنذاك عبدربه منصور هادي، تمددت إلى نحو عشر سنوات، في مفارقة سياسية لافتة، إذ أُنيطت إدارة مرحلة تصحيح المسار بشخصية كانت جزءًا من النظام السابق، ما جعل القطيعة أقرب إلى إعادة تموضع منها إلى تغيير جذري.

وأشار بن حمدين إلى أن تلك المرحلة لم تكن هادئة، بل شهدت عواصف سياسية وعسكرية انتهت بحرب لا تزال مستمرة، مؤكدًا أن غياب القطيعة الحقيقية مع أدوات الماضي جعل المرحلة الانتقالية امتدادًا للأزمة، لا حلًا لها. وفي هذا السياق، أوضح أن الشرعية الاضطرارية، المقبولة دستوريًا كحل مؤقت لتفادي الفراغ، لا يمكن أن تتحول إلى قاعدة دائمة للحكم، لأن “الاستثناء إذا طال تحوّل إلى منهج وفقدت الدولة معناها”.

مجلس القيادة.. توزيع مواقع لا ترسيخ مؤسسية

وعند تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، اعتُبر ذلك تصحيحًا لمسار متعثر، إلا أن الكاتب يرى أن المجلس ضمّ في معظمه فاعلين كانوا جزءًا من النظام السابق، ومنهم رئيس المجلس الحالي رشاد العليمي، إلى جانب شخصيات أخرى شغلت مناصب عليا في مراحل سابقة، مثل عبدالله العليمي باوزير و**طارق صالح**.

واعتبر بن حمدين أن التغيير الذي جرى أنتج إعادة توزيع للمواقع أكثر مما أنتج تحوّلًا مؤسسيًا حقيقيًا، مستشهدًا بمقولة المفكر السياسي صامويل هنتنغتون بأن “التمايز بين الدول لا يتعلق بنمط الحكم بل بدرجة الحكم”، في إشارة إلى أن المشكلة ليست في الشكل بل في مستوى المؤسسية.

تعطّل الانتخابات وإعادة إنتاج النخب

ويرى بن حمدين، أن تعطّل الانتخابات، حتى في مستوياتها المحلية منذ عام 2006، يمثل خللًا جوهريًا في آلية إنتاج النخب، إذ بلغ من وُلدوا في تلك الأعوام سن الرشد السياسي دون أن يجدوا مسارًا منظمًا للوصول إلى مواقع القرار، سوى عبر شبكات النفوذ أو الحوارات التي تُدار برعاية إقليمية أو دولية.

وفي هذا السياق، استند إلى أطروحات روبرت دال حول التعددية السياسية، التي ترى أن الأنظمة التي تغلق قنوات المشاركة الانتخابية المنتظمة تتحول إلى أنظمة محدودة الوصول تحتكر فيها النخب المجال السياسي، كما أشار إلى ما أكده الباحثان خوان لينز وألفريد ستيبان، بشأن أن ترسيخ الديمقراطية يتطلب انتظامًا دوريًا للانتخابات بوصفها آلية لتجديد الشرعية.

ودعا إلى الدفع نحو تفعيل الانتخابات في المناطق المحررة الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا، باعتبارها خطوة أساسية لإنتاج شرعية من أسفل إلى أعلى.

فجوة في التمثيل الدبلوماسي

وتطرق بن حمدين، إلى تمثيل اليمن الخارجي، مشيرًا إلى أن العديد من السفارات تجاوزت مدة بقائها عشر سنوات دون بناء حضور دبلوماسي مؤثر، فيما كان تأثير الجاليات اليمنية في الخارج أكبر في إيصال الصوت اليمني، ما يكشف فجوة واضحة بين التمثيل الرسمي والفاعلية الدبلوماسية.

مسؤولية الرياض والأمم المتحدة

وحمل بن حمدين، الدول الراعية للأزمة اليمنية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى جانب الأمم المتحدة ممثلة بمكتب المبعوث الأممي، مسؤولية سياسية تتجاوز إدارة التوازنات، داعيًا إلى ضمان أن يفتح أي حوار قادم المجال أمام جيل جديد للمشاركة في التحضير وصناعة القرار.

وأشار إلى تجربة المملكة في تمكين جيل شاب في قمة هرم السلطة بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، موضحًا أن الإشارة إلى هذه التجربة لا تهدف إلى إسقاط نموذج، بل للتأكيد على أن تحديث الدولة يتطلب تحديث النخبة التي تديرها.

الشباب… من الهامش إلى مركز القرار

ولفت بن حمدين، إلى أن مؤسسة “عدالة” نظّمت في عامي 2021 و2022 مؤتمرات سياسية جمعت شبابًا من مختلف المحافظات، ووصفت بأنها الأولى من نوعها منذ مؤتمر الحوار الوطني عام 2013، معتبرًا أن قدرة مؤسسة محلية على استقطاب هذا الطيف الواسع تعكس جاهزية الجيل الجديد للعب دور وطني جامع.

وأكد أن هذا الجيل غير مثقل بإرث الصراعات القديمة، وأكثر ميلًا إلى التفكير التنموي وبناء مؤسسات حديثة، داعيًا إلى أن يبدأ أي حوار قادم – وطنيًا كان أو جنوبيًا – بالجلوس مع الجيل الجديد، لا بإعادة تدوير النخب ذاتها.

وختم بن حمدين، بالتشديد على أن القضية ليست صراع أعمار، بل تقييم نماذج؛ نموذج تقليدي أثبت عجزه وأنتج انهيارًا غير مسبوق للدولة، ونموذج جديد يفهم الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا حديثًا. وأضاف أن اليمن، انطلاقًا من مناطقه المحررة في الجنوب، بحاجة إلى رسالة واضحة مفادها أن أي مشروع لا يجرؤ على كسر الحلقة القديمة سيبقى أسيرها.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic