مقالات الرأي

أبجديات الاستقرار.. الدائم في اليمن

بقلم: أ.د أحمد الشاعر باسردة

شهد الجنوب خلال السنوات الماضية ارتدادات مباشرة لأي تباين في المواقف بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بحكم حضورهما المؤثر في الملف اليمني وتشابك مصالحهما مع مسارات الصراع والتسوية. ولا يمكن إنكار أن أي فتور في التنسيق بين الرياض وأبوظبي انعكس قلقًا في الشارع الجنوبي، الذي ينظر إلى الدولتين بوصفهما ركيزتين أساسيتين في معادلة الاستقرار الإقليمي، وشريكين كان لهما دور حاسم في منع انهيارات أكبر خلال مراحل مفصلية. من هذا المنطلق، فإن أي تقارب أو إعادة تنسيق بينهما يُقرأ جنوبيًا باعتباره عامل طمأنة، وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات بما يخدم استقرار المنطقة عمومًا والجنوب خصوصًا.

الجنوبيون، وهم يعبّرون عن تقديرهم لمواقف السعودية والإمارات الداعمة، ينطلقون من قناعة بأن أمن الخليج مترابط، وأن استقرار الجنوب جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي. لكن هذا التقدير لا يلغي حقيقة أن الجنوب كان ساحةً لتجاذبات وتسويات مؤقتة لم تُنتج حلًا جذريًا للقضية الجنوبية، بل أبقت جذور الأزمة قائمة. فالمعضلة، في نظر قطاع واسع من الجنوبيين، ليست فقط في شكل السلطة أو تقاسمها، بل في طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب، وفي غياب ضمانات حقيقية تمنع تكرار دورات الصراع.

تتعمق هذه المخاوف مع شعور راسخ لدى كثيرين في الجنوب بأن مراكز النفوذ في الشمال لا تزال تنظر إلى الجنوب من زاوية الهيمنة أو إعادة إنتاج السيطرة بأدوات مختلفة، سواء عبر التحالفات السياسية أو عبر النفوذ العسكري والاقتصادي. هذا الإدراك المتراكم جعل خطاب “الشراكة” يفقد بريقه لدى فئات واسعة، بعدما ارتبط في الذاكرة الجمعية بتجارب صراع وإقصاء. ومن هنا تبرز الدعوة إلى معالجة جذرية، لا تقوم على ترميم الصيغة السابقة، بل على إعادة تعريف العلاقة من أساسها.

في هذا السياق، يتصدر مطلب فك الارتباط وإعادة قيام دولة جنوبية كاملة السيادة على حدود ما قبل 22 مايو 1990 باعتباره، لدى أنصاره، الضمانة الوحيدة لوقف دوامة الأزمات. هذا الطرح لا يُقدَّم باعتباره موقفًا عاطفيًا أو رد فعل مرحليًا، بل باعتباره خلاصة تجربة سياسية طويلة يرى أصحابها أنها أثبتت صعوبة التعايش ضمن صيغة لم تُبنَ على توافق متكافئ ومستدام. وهم يجادلون بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإرجاء الخلافات أو بتسويات فوقية، بل بإقرار واقع سياسي جديد يعبّر عن الإرادة الشعبية ويؤسس لعلاقة ندّية واضحة المعالم.

انطلاقًا من ذلك، يُنظر إلى أي حوار قادم في الرياض باعتباره محطة مفصلية، لا ينبغي أن يكرر مقاربات سابقة قامت على توزيع أدوار أو إعادة تدوير نخب، بل يجب أن يتناول جوهر القضية الجنوبية بلا مواربة. فبالنسبة لكثير من الأصوات الجنوبية، لا معنى لأي تسوية لا تضع حق تقرير المصير في صلب النقاش، ولا تعترف بأن معالجة جذور الأزمة شرطٌ لنجاح أي ترتيبات أمنية أو سياسية لاحقة. أما القفز فوق هذه المسألة، فيُخشى أن يعيد إنتاج المأساة بصيغ مختلفة، ويُبقي المنطقة رهينة توترات قابلة للاشتعال في أي لحظة.

كذلك يبرز مطلب الحضور الدولي للحوار بوصفه عنصرًا أساسيًا لضمان الجدية والالتزام بمخرجاته. فوجود رعاية أو إشراف دولي يُنظر إليه كضمانة لعدم الانحراف عن التفاهمات، وكآلية لإضفاء طابع قانوني وسياسي ملزم على أي اتفاق يتم التوصل إليه. كما أنه يبعث برسالة إلى الداخل والخارج بأن القضية لم تعد شأنًا محليًا ضيقًا، بل مسألة استقرار إقليمي تتقاطع مع مصالح المجتمع الدولي في أمن الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب وحماية الاقتصاد العالمي.

إن التقارب السعودي الإماراتي، إذا ما ترسخ، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لبلورة مقاربة جديدة أكثر وضوحًا تجاه الجنوب، تقوم على احترام الإرادة الشعبية وصياغة حلول قابلة للحياة. أما الاكتفاء بترتيبات مرحلية تُرحّل جوهر المشكلة، فلن يؤدي إلا إلى استمرار الحلقة المفرغة. وبين التفاؤل الحذر والواقعية السياسية، يظل الرهان الجنوبي معقودًا على أن تكون المرحلة القادمة مختلفة، وأن يُبنى الاستقرار هذه المرة على أساس صلب يعترف بالحقائق بدل الالتفاف عليها، ويمنح جميع الأطراف فرصة للعيش بأمن ووضوح في إطار سياسي مستدام يخلق حالة من القناعات في الشمال والجنوب

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic