تهامة تبكي صرخة أرض

بقلم: د. علي عفيفي الأهدل
“تهامةُ تبكي: صرخة أرضٍ مظلومة”
تهامةُ اليومَ تتنفسُ ألمًا، وتنزفُ حزنًا، وهي تتلوّحُ بين أطراف بحرها وجبالها ووديانها وحقولها، كما لو أنّ الأرض نفسها صارت قلبًا ينبضُ وجعًا. كل يومٍ يمرُّ، يُضافُ إلى صفحات تاريخها الملطخة بالدماء سطرٌ جديد من القهر، تُخطّهُ أيادٍ إجرامية، تسرقُ الأرض، وتنهبُ المال، وتستبيحُ الحريات، وتزرع الرعب في القلوب قبل العيون.
في زوايا المدن والقرى، هناك سجون مظلمة، حيث تُستباحُ الأرواح وتُكسَرُ الأجساد. نساءُ تهامة، أمهاتٌ وبناتٌ، يقبعن خلف القضبان بلا جرمٍ ارتكبنه، ومعهن أسرٌ مشردة تبحث عن لقمةٍ وأمانٍ ضائعين. صرخاتُ الحرمان والتعذيب تتردد في أروقةٍ لا يعرفها سوى الظلام، وتهامةُ تئنّ كل يوم من وطأة الظلم.
القتلُ أصبحَ عادةً، والسرقةُ مشروعًا، والأرضُ التي كانت تُعطي الحياة، صارت مسرحًا للنهب والإجرام. القلوب تتقطّع، والعين تدمع، والضمير يتساءل: إلى متى سيبقى الصمت سيدًا على المأساة؟
وكم من مشردين لا يستطيعون الرجوع إلى وطنهم… أولئك الذين أُخرجوا قسرًا من بيوتهم، وحُرِموا دفء الأرض التي تربوا عليها، فلا مأوى لهم سوى السماء، ولا وطن سوى الذكريات. أطفالٌ يلهثون وراء لقمةٍ ضائعة، ونساءٌ يفتقدن الأمان، وشيوخٌ حملوا عمرهم على الأكتاف، يبحثون عن صخرةٍ يحتجون عليها من ألم الغربة… مأساةٌ تتكرر كل يوم، وتتكاثر كجراحٍ لا تلتئم، وكدموعٍ لا تجف.
الحرمانُ هنا ليس فقط فقدان البيت أو الأرض، بل فقدان الحلم، فقدان الحق في أن يعيش الإنسان كإنسان، في حرية وكرامة. وما بين السجون والمنافي، وبين القتل والنهب والإخفاء القسري، يتشكل وجعٌ عميق في صميم تهامة، وجراحٌ تنزف في كل قلب محبّ لها، يراقب الصبر الذي يوشك أن ينفد.
لكن رغم هذا الظلام، تظل تهامةُ صامدة، كجبلٍ لا ينحني، وكبحرٍ يُحاول أن يكتسب صبره من صخور شواطئه. بين الدموع يولد الأمل، وبين الخراب تنبت إرادةٌ صلبة، وبين السجون تنبت البطولات. هذه الأرضُ تعلمنا أن الألم مهما طال، لا يُمحى، لكنه يُخلّفُ بذور الصمود في النفوس، فتُصبحُ الدماءُ التي سُفكت رسالةً للأجيال: أن الحريةُ حقٌّ لا يُهدَر، وأن العدالةَ وعدٌ لا يُنسى.
أيتها الأرضُ الطاهرة، أيتها الأمهات الصابرات، أيتها النساءُ العادلات، أيتها الأسر المشردة، لن يطوي التاريخ ذكركم، ولن ينسى العالم أنكم كنتم رمزًا للصبر والمقاومة، وأن دماءكم لم تُسفك عبثًا، وأن عزّكم باقٍ في ذاكرة الأجيال القادمة.
أيها العالم… اسمع صرخة تهامة، لا تدعها تُطوى تحت الركام، ولا تسمح للظلم أن يمر دون حساب. أوقفوا المليشيات التي زرعت الرعب، وحرروا الأسرى الذين يئنون في الزنازين، وأعيدوا الحياة إلى القرى والمدن المهدمة. فكل يومٍ تمرّ فيه هذه الأرضُ مظلومةً هو يوم يُسجَّل في سجل الإجرام ضد الإنسانية.
تهامةُ تبكي اليوم، لكنها لن تبكي غدًا بلا حق. دموعها ستصير جسرًا للأمل، وصوتها سيصبح صدىً لا يندثر، يذكّر العالم أن الحق باقٍ، وأن الصبر له نهايته، وأن العدل سيعود، مهما طال الليل، ومهما عظُم الطغيان.
فهذه الأرضُ، بكل وجعها، بكل دموعها، بكل أمهاتها وبناتها، تقول لنا: لا تستسلموا، لا تنسوا، وكونوا شهودًا على ظلمٍ لن ينجو، وعدالةٍ ستتحقق، وغدٍ سيشرق فيه نور الحق على جبين تهامة الحزين.



