تاريخ الجنوب لم .. يقرأ جيدا

بقلم: أ.د.أحمد الشاعر باسردة
يبدو أن البعض لم يقرأ تاريخ الجنوب جيدًا، أو قرأه بعينٍ انتقائية لا ترى إلا ما يخدم اللحظة. هذا البلد لم يكن يومًا أرضًا سائبة، ولا مساحة مفتوحة لكل طامع. على امتداد القرون، كان الجنوب طاردًا لكل احتلال أيًّا كان لونه أو شعاره أو مبرراته. لم تستقر فيه قوة جاءت بالقهر، ولم يهنأ فيه مشروع فُرض بالسلاح.
تعاقبت عليه قوى خارجية ظنت أن الموقع الاستراتيجي يكفي لإخضاع الإرادة. دخل الأحباش إلى اليمن في القرن السادس الميلادي وفرضوا سيطرتهم زمنًا، لكن وجودهم لم يدم. وجاء الفرس بعدهم وأنهوا حكمهم، غير أن نفوذهم هو الآخر انحسر مع تبدل الموازين وقيام الدولة الإسلامية. وفي القرن السادس عشر حاول البرتغاليون مدّ نفوذهم إلى موانئ الجنوب، مدفوعين بأطماع بحرية وتجارية، لكنهم لم يتمكنوا من تثبيت أقدامهم. أما الإنجليز، الذين احتلوا عدن عام 1839، فقد ظنوا أن بقاءهم سيطول إلى ما لا نهاية، غير أن ثورة التحرر الوطني أنهت وجودهم في 1967، ورحلوا كما رحل من قبلهم.
حتى الصراعات ذات الطابع الداخلي حين تحولت إلى فرض بالقوة، لم تثمر استقرارًا دائمًا. محاولات إخضاع الجنوب عسكريًا عبر التاريخ لم تُنتج سوى دورات جديدة من المقاومة والرفض. حرب 1994 التي أعلنها علي عبد الله صالح لم تُنهِ القضية الجنوبية، بل عمّقتها ورسختها في الوعي الجمعي. وعندما تمدد الحوثيون لاحقًا بدعم من صالح نفسه، لم تتسع لهم أرض الجنوب، وواجهوا مقاومة شرسة أعادت رسم موازين القوة على الأرض.
ليست المسألة سردًا عاطفيًا للماضي، بل قراءة لسنن التاريخ. الجنوب لم يقبل حكمًا مفروضًا من خارج إرادته، ولم يسلّم قراره لمن يتعامل معه كغنيمة. في كل مرة يُختبر فيها هذا الواقع، تكون النتيجة واحدة: مقاومة تتشكل، ورفض يتجذر، ومشروع مفروض يتآكل حتى يسقط.
إن الإصرار على إعادة إنتاج صيغ الوحدة القسرية أو تجاهل التحولات العميقة في وعي الجنوبيين هو تجاهل لحقيقة سياسية واجتماعية باتت واضحة. الشراكة لا تُبنى بالإكراه، والوحدة لا تستقيم بالقوة، والدول لا تُدار بعقلية الغلبة. حين تفقد الصيغة قدرتها على إقناع أحد طرفيها، وتتحول إلى عبء وصراع دائم، فإن الإصرار عليها لا يصنع استقرارًا بل يطيل أمد الأزمة.
لقد تغيّر الجنوب، وتغيّر وعي أبنائه، وتراكمت تجاربهم مع المشاريع التي جاءت من خارجهم أو فُرضت عليهم باسم شعارات كبرى. واليوم، تتبلور قناعة واسعة بأن مستقبل هذا البلد لا يمكن أن يُدار إلا بإرادة أبنائه، وبصيغة سياسية تعبّر عن تطلعاتهم وهويتهم وخياراتهم. هذه ليست دعوة للصراع، بل دعوة للاعتراف بالواقع، وللبحث عن حلول تقوم على الاحترام المتبادل لا على الإنكار.
التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يرسل إشارات واضحة لمن يريد أن يتعلم. والجنوب، كما أثبتت مراحله المختلفة، ليس أرضًا تُحكم بالقوة، ولا مجتمعًا يُذعن طويلًا لما يراه انتقاصًا من إرادته. من لم يقرأ هذا الدرس جيدًا، سيعيد الوقوع في الخطأ ذاته، ويدفع الثمن ذاته.. عيدوا الفهم للذات الجنوبية.
* رئيس تجمع تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering



