مقالات الرأي

إطالة الحرب في اليمن… من يتحمل مسؤوليتها؟

بقلم: د. احمد بن إسحاق

بعد أحد عشر عاما من القتال، لم يعد السؤال كيف اندلعت الحرب في اليمن، بل لماذا استمرت كل هذا الوقت، ومن الذي يملك قرار إيقافها ولم يفعل؟ فالحروب قد تبدأ بحسابات خاطئة، لكنها لا تستمر عقدا كاملا إلا بإرادة سياسية تُبقيها دائرة، أو بعجزٍ عن الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية.

ما جرى في اليمن لم يكن صراعا داخليا خالصا، كما لم يكن مواجهة إقليمية منفصلة عن الداخل. منذ التحولات التي أعقبت 2011 والخلافات التي طالت الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، دخلت البلاد مرحلة اضطراب سياسي عميق، سرعان ما تداخل فيها المحلي بالإقليمي. ومع تصاعد التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران، تحولت اليمن إلى ساحة صراع نفوذ، وأصبحت الحرب جزءا من معادلة توازنات تتجاوز حدودها.

لكن إذا كان اندلاع الحرب مرتبطا بسياقات معقدة، فإن إطالتها تطرح سؤال المسؤولية بوضوح أكبر. أحد عشر عاما مدة كافية لمراجعة الاستراتيجيات، وإعادة تقييم الكلفة، والبحث الجاد عن تسوية سياسية شاملة. ومع ذلك، بقيت البلاد في منطقة رمادية: لا حسم عسكريا كاملا، ولا اتفاق سياسيا نهائيا.

النتيجة لم تكن مجرد جمود سياسي، بل تدهور اقتصادي متراكم، وتعطيل لمؤسسات الدولة، وعرقلة لتصدير الموارد السيادية كالنفط والغاز، واستنزاف مستمر لقدرة المواطنين على الصمود. وفي خضم ذلك، لا يمكن تجاهل أن الحكومة اليمنية لم تتحرك في فراغ سيادي كامل، بل ضمن معادلات إقليمية معقدة أثّرت على قدرتها في اتخاذ قرارات مصيرية. هذا الواقع جعل القرار الوطني محاطا بسقوف خارجية، وحدّ من إمكانية بلورة مسار سياسي مستقل بالكامل.

كما أن طول أمد الصراع لم يفرز فقط مآسي إنسانية، بل أعاد تشكيل المشهد الاقتصادي والسياسي نفسه؛ وقد أسهم طول أمد الصراع في نشوء طبقة من المستفيدين اقتصاديا وسياسيا، باتت ترى في استمرار الحرب ضمانا لمكاسبها، وهو ما أضاف عائقا داخليا أمام أي تسوية جادة. وهكذا لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت لدى بعض الأطراف إلى بيئة مصالح يصعب التفريط بها.

وفي الوقت ذاته، تُطرح اشتراطات الاستقرار الشامل كمدخل لأي اندماج اقتصادي أو سياسي ضمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهو شرط يبدو منطقيا في ظاهره، لكنه يبقى مرتبطا بسؤال أعمق: من يملك أدوات صناعة هذا الاستقرار؟ ومن يتحمل مسؤولية الانتقال من إدارة الحرب إلى إنهائها؟

المسؤولية هنا لا تقع على طرف واحد. الداخل اليمني يتحمل نصيبه بسبب الانقسام وغياب رؤية وطنية موحدة، والإقليم يتحمل مسؤوليته بحكم تأثيره المباشر في مسار الصراع، والمجتمع الدولي يتحمل جانبا من المسؤولية حين اكتفى بإدارة الجانب الإنساني دون الدفع الجاد نحو تسوية ملزمة. غير أن توزيع المسؤولية لا يعني تمييعها؛ فكل طرف يملك قدرا من القرار يوازي قدر مسؤوليته.

اليمن اليوم لا يحتاج مزيدا من توصيف الأزمة، بل قرارا سياسيا شجاعا بإنهائها. فإطالة الحرب لم تُنتج نصرا حاسما لأي طرف، لكنها أضعفت الدولة، وأرهقت الإقليم، ورفعت كلفة السلام نفسه. وكلما طال أمد الصراع، تعقدت التسوية وازدادت فاتورتها على الجميع.

السؤال الجاد الآن ليس من يبدأ اللوم، بل من يبدأ القرار. لأن امتلاك الشجاعة لتحمل المسؤولية هو الخطوة الأولى نحو إنهاء الحرب، واستعادة اليمن لدوره الطبيعي كدولة مستقلة القرار، لا كساحة صراع مفتوح.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic