مقالات الرأي

الولا .. الأخير للجنوب!

بقلم: أ.د. أحمد الشاعر باسردة

في المشهد السياسي اليمني، والجنوبي ظلّت العلاقة بين ما يُعرف بـ«الشرعية» والقوى الجنوبية علاقةً معقّدة تحكمها الضرورات أكثر مما تحكمها القناعات. كثير من القيادات المحسوبة على الجنوب وجدت نفسها داخل منظومة سلطة تشكّلت في سياق إقليمي ودولي ضاغط، فاختارت في مراحل معينة التكيّف مع الأهداف المرسومة لها، والانخراط في مسار سياسي لا يعكس بالضرورة المزاج الجنوبي العام. هذا التكيّف بدا أحيانًا كأنه تناغم كامل، وأحيانًا كأنه انحناء مؤقت أمام عاصفة توازنات لا يملكون أدوات كسرها.

غير أن التجربة أثبتت أن التكيّف الطويل يولّد تراكمًا داخليًا من الأسئلة والاعتراضات. فمع مرور الوقت، تتكدّس الأخطاء السياسية والإدارية والاقتصادية التي تمس الجنوب مباشرة، ويجد بعض الفاعلين أنفسهم أمام مفارقة حادة: الاستمرار في موقع يحمّلهم مسؤولية نتائج لا يملكون قرارها الكامل، أو التوقف لإعادة تقييم المسار. هذا التراكم لا يحدث فجأة، بل يتشكّل تدريجيًا عبر قرارات متتابعة، تفاهمات غامضة، وتنازلات تُبرَّر بضرورات المرحلة.

تجربة عبدربه منصور هادي تُطرح كثيرًا كمثال على هذا المسار. فقد بدا في فترات معينة متماهيًا مع الإطار العام للشرعية ومتطلبات التحالفات، لكنه في لحظة مفصلية سلّم السلطة وغادر المشهد. ثمة من يفسّر تلك الخطوة باعتبارها اعترافًا ضمنيًا بأن البقاء في الموقع لم يعد يخدم البلد، ولا يحمي ما تبقى من شرعية القرار الوطني. سواء اتُّفق مع هذا التفسير أم لا، فإن التجربة كشفت حدود القدرة الفردية على المناورة داخل منظومة إقليمية ودولية معقّدة.

اليوم يُطرح السؤال ذاته بشأن قيادات جنوبية جديدة داخل مجلس القيادة الرئاسي ومؤسسات الشرعية، مثل أبو زرعة المحرمي ، الصبيحي والخنبشي وغيرهم من اصحاب الوزن الثقيل والخفيف ممن يُنظر إليهم كوجوه جنوبية ضمن إطار وطني أوسع لا يتبنى صراحة مشروعًا جنوبيًا مستقلًا. هؤلاء يتحركون ضمن معادلة دقيقة: الحفاظ على مواقعهم وتأثيرهم داخل السلطة، وفي الوقت نفسه تجنّب الاصطدام المباشر مع تطلعات الشارع الجنوبي.

الفرضية التي يطرحها بعض المراقبين تقول إن ما يُسمى «الولاء الأخير» للجنوب ليس شعارًا عاطفيًا، بل محطة سياسية حتمية تفرضها الوقائع. فحين تتراكم القرارات التي تُفهم في الجنوب على أنها انتقاص من قضيته أو تهميش لمطالبه، يصبح الاستمرار في الصمت أو المجاراة مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا. عندها قد يجد بعض هؤلاء أنفسهم أمام لحظة مراجعة شبيهة بتلك التي مرّ بها هادي، حيث يغدو الانسحاب أو إعادة التموضع خيارًا أقل كلفة من البقاء في موقع يُحمَّل مسؤولية مسار لا ينسجم مع المزاج الجنوبي.

لكن في المقابل، هناك من يرى أن السياسة لا تُدار بالعواطف أو الانتماءات الجهوية وحدها، بل بموازين قوة ومصالح متشابكة. فالخروج من المنظومة ليس دائمًا فعل احتجاج بقدر ما قد يكون نتيجة تفاهمات جديدة أو إعادة توزيع أدوار. كما أن البقاء داخل السلطة قد يُقرأ من زاوية أخرى كخيار براغماتي يهدف إلى حماية ما يمكن حمايته من مصالح الجنوب ضمن واقع معقد.

بين هذين التفسيرين، يظل الجنوب ساحة اختبار دائمة لولاءات القيادات المحسوبة عليه. فإما أن تنجح هذه القيادات في تحقيق توازن حقيقي بين المشاركة في السلطة والحفاظ على ثقة الشارع، وإما أن تتكرر دورة التكيّف ثم المراجعة ثم الانفصال عن المسار. وفي كل الأحوال، يبقى العامل الحاسم هو قدرة هذه القيادات على تحويل وجودها في مؤسسات الشرعية من مجرد تمثيل رمزي إلى تأثير فعلي يخفف المعاناة ويعالج الأخطاء المتراكمة. عندها فقط يمكن الحديث عن «ولاء أخير» لا كشعار سياسي، بل كخيار عملي تُترجمه المواقف والقرارات، لجنوب باق وعائد إلى أهله

ا.د. أحمد الشاعر باسردة
رئيس تجمع تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic