اليمن والخليج: خارطة طريق لتحويل المشهد اليمني إلى شراكة تخدم الجميع
بقلم: د. أحمد بن إسحاق
لم يعد النقاش حول اليمن اليوم نقاشا إنسانيا أو أمنيا فحسب، بل تحوّل إلى سؤال استراتيجي مباشر يتعلق بمستقبل الخليج نفسه في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. فالتحديات التي تواجه دول الخليج اليوم لم تعد محصورة في الحدود السياسية أو التهديدات العسكرية المباشرة، بل باتت مرتبطة بالاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، وقدرة الدول على التكيف مع تحولات الاقتصاد العالمي.
وفي مقالنا السابق الذي نُشر في عدد من المنصات والصحف اليمنية، من بينها قناة اليمن اليوم وصحيفة عدن الغد وغيرها، جرى تناول كيف تحوّل انضمام اليمن إلى مجلس التعاون من حلم مؤجل إلى هدف استراتيجي تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة. أما هذا المقال، فينطلق خطوة أبعد، محاولا الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف يمكن تحويل الصراع اليمني من ملف يستنزف الجميع إلى شراكة استراتيجية مستدامة تخدم الخليج واليمن معا؟
العالم من حول الخليج لم يعد كما كان قبل عقد من الزمن. فالتوازنات الدولية تشهد تغيرات متسارعة، وأسواق الطاقة تمر بمرحلة انتقالية تفرض ضغوطا متزايدة على الدول النفطية، وسلاسل الإمداد باتت أكثر هشاشة، فيما يزداد التنافس على الممرات البحرية الحيوية. في هذا السياق، لم يعد أمن الخليج مسألة داخلية، بل أصبح مرتبطا بشكل مباشر بعمقه الجغرافي جنوب الجزيرة العربية، حيث يشكّل اليمن نقطة ارتكاز في معادلة الأمن والاقتصاد والطاقة.
لهذا، فإن إدارة الملف اليمني بعقلية عام 2015 لم تعد ممكنة. فالكلفة السياسية والاقتصادية للحرب، وتغيّر أولويات الشركاء الدوليين، وتصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، تجعل من الاستقرار الدائم في اليمن حاجة استراتيجية عاجلة لا مجرد هدف أخلاقي أو إنساني.
العلاقة بين اليمن والخليج لم تكن يوما علاقة قطيعة، بل علاقة تداخل غير مكتمل. ظل اليمن حاضرا في الحسابات الأمنية وغائبا عن مشاريع الاندماج الحقيقي. ومع اندلاع الربيع العربي، دخل اليمن مرحلة انتقالية هشة، تحولت سريعا إلى حرب استنزاف طويلة، استُنزف فيها اليمنيون في معيشتهم وأمنهم، كما استُنزفت موارد وسمعة الأطراف الإقليمية المنخرطة في الصراع.
وفي هذا السياق، جاءت عاصفة الحزم في لحظة شعرت فيها السعودية والخليج بتهديد مباشر لأمنهم القومي. غير أن ما كان يُفترض أن يكون تدخلا محدود الأهداف، تحوّل مع الوقت إلى حرب مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، وفي توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية. واليوم، لا يمكن توصيف ما جرى كهزيمة أو نصر، بل كحالة استنزاف استراتيجي طويل. والحقيقة التي بات من الضروري الاعتراف بها: هذه الحرب لا يمكن حسمها عسكريا، لكن يمكن تحويلها سياسيا إلى نجاح يخدم الجميع إذا أُعيد تعريف أهدافها وأدواتها.
أحد أهم مفاتيح هذا التحول يتمثل في التعامل الواقعي مع الحوثيين. فقد كان من أكبر أخطاء إدارة الصراع النظر إليهم إما كجماعة يمكن إقصاؤها بالقوة، أو كامتداد إيراني صرف. الواقع أكثر تعقيدا. الحوثيون اليوم قوة أمر واقع داخل اليمن، يمتلكون بنية عسكرية وتنظيمية لا يمكن تجاوزها، وفي الوقت ذاته هم بحاجة إلى اعتراف سياسي، وضمانات أمنية واقتصادية تضمن بقاءهم ضمن الدولة لا فوقها.
الحديث عن فصل الحوثيين تدريجيا عن المشروع الإقليمي الإيراني لا يعني قطيعة فورية أو انقلابا في الولاءات، بل مسارا تراكميا يقوم على توسيع التفاهمات السعودية–الإيرانية، وربطها بضمانات دولية واضحة، خصوصا من الصين والدول الكبرى المعنية باستقرار الممرات البحرية والطاقة. مثل هذا المسار يقدّم لإيران مصلحة مباشرة في الاستقرار بدل الاستثمار في الفوضى، ويمنح الحوثيين حوافز حقيقية للاندماج في تسوية وطنية تحفظ لهم دورا سياسيا مقابل تخليهم التدريجي عن وظيفة الصراع الإقليمي. تعميق هذه الضمانات ووضوحها يمكن أن يشكّل أرضية خصبة لتوافق يمني شامل، بدل بقاء كل طرف أسير حساباته الضيقة.
لكن نجاح أي حل شامل يظل مرهونا بعامل الوقت. فالظروف الإقليمية والدولية الحالية قد لا تتكرر، وانتظار ظروف “فضل” قد يطيل الأزمة ويزيدها تعقيدا، خصوصا في ظل التحولات السريعة في أسواق الطاقة والتوجه العالمي نحو البدائل، وهو ما قرع بالفعل أجراس الإنذار الاقتصادي لدى الدول النفطية. هذا التحول يتطلب استقرارا إقليميا يسمح ببناء روافد اقتصادية جديدة ومأسستها مبكرا قبل تراجع عائدات النفط، ليصبح الحل السياسي والأمني مدعوما بقاعدة اقتصادية متينة تحقق مصالح الجميع.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل أثر الحل الشامل في اليمن على استئناف صادرات النفط والغاز اليمنية المتوقفة. فإيرادات الغاز اليمني وحدها تقترب من ستة مليار دولار سنويا، ويمكن رفعها إلى أكثر من أحد عشر مليارا إذا ما أُعيد النظر في العقود المجحفة. هذه العائدات قادرة على تقليص كلفة إعادة الإعمار، وتخفيف أعباء الإنفاق الأمني الخليجي، ومعالجة الفقر الذي يُعد أحد أخطر عوامل التهديد الأمني والاستقطاب. كما أن إنشاء شراكات يمنية–خليجية مبكرة يفتح آفاقا استثمارية أمام رؤوس الأموال الخليجية تفوق في جدواها الكثير من مشاريع خطط اقتصاد ما بعد النفط. فعلى سبيل المثال، جدوى استثمار إنشاء جسر ربط عدن بجيبوتي عبر جزيرة بريم بتكلفة تقديرية تتراوح بين 20 و22 مليار دولار تتفوق على مشاريع ضخمة عالية المخاطر مثل مدينة نيوم السياحية، التي تكلف نحو 500 مليار دولار، وتحقق أثرا أقل مباشرة على الأمن الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.
أما الجنوب اليمني، فيبقى مفتاح الترتيب لا ساحة الفوضى. فالتباين في رؤى المكونات الجنوبية لا يمكن تجاوزه بالقوة أو الإقصاء، بل عبر أساليب سياسية ذكية تضمن التوافق دون فرض وصاية. من بين هذه الأدوات: ربط الدعم الاقتصادي والاستثماري الخليجي بمستوى التوافق المؤسسي، تشجيع صيغ إدارة مشتركة للموانئ والمناطق الحيوية، وضمان تمثيل عادل للقوى الجنوبية في أي تسوية وطنية، بما يحول التنافس من صراع صفري إلى شراكة مصالح.
وفي الداخل اليمني، سيكون للحكومة قيد التشكيل دور حاسم في ترسيخ الاستقرار إذا تبنّت خطوات عملية تعزز الثقة الشعبية. من بين ذلك تهيئة الأجواء لانتظام جلسات مجلس النواب، والاعتماد عليه كمرجعية لحسم الخلافات السياسية الكبرى، وتفعيل المساءلة والشفافية في إدارة الموارد، بما يبعث رسالة واضحة بأن الدولة تعود تدريجيا بوصفها إطارا جامعا لا غنيمة متنازعا عليها. كما أن طرح صيغ عادلة للحكم المحلي أو الفيدرالية يمكن أن يخفف من مخاوف الإقصاء، ويمنح الأقاليم شعورا حقيقيا بالشراكة في القرار والثروة.
في المحصلة، اليمن اليوم ليس ملفا ثانويا في أجندة الخليج، بل جزء من مستقبله. فإما الاستمرار في إدارة أزمة بكلفتها المتصاعدة، أو الانتقال إلى شراكة استراتيجية تضمن الأمن والاستقرار للجميع. السلام الدائم أقل كلفة من حرب بلا نهاية، واليمن المستقر ليس عبئا على الخليج، بل عمقه الاستراتيجي الطبيعي.
تحويل الصراع إلى شراكة ليس حلما مثاليا، بل قرارا عقلانيا تفرضه الجغرافيا، وتدعمه المصالح، وتؤكده دروس العقد الماضي.



