“لن يضيع إرث الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله…لا للمتسلقين”

بقلم: د. علي عفيفي الأهدل
لن يذهب إرث الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله سدى؛ لأنه لم يكن إرث منصب عابر، ولا ضجيج مرحلة طارئة، بل كان إرث مبدأ متجذر، وموقف نحت في صخر تهامة، وسيرة رجل اختار أن يكون في صف الأرض وأهلها، لا في طوابير الكراسي وأرصفة المصالح.
كان الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله مشروع وعي قبل أن يكون قائد حراك، وصوت كرامة قبل أن يكون عنوان مقاومة. حمل تهامة في قلبه لا كشعار يرفع، بل كأمانة تصان، فصار اسمه قرين الصدق حين يشح الصدق، ودليلا على الثبات حين تتراقص المواقف على إيقاع الريح.
ولن يتسلق على إرثه أرباب المصالح، لأن الميراث الذي لا يباع لا يسرق، ولأن ما صيغ بعرق الرجال لا يحتمل أقدام المتسلقين. سيحاول عباد الكراسي أن يلبسوا ثوبه، لكن الثوب لا يستر قصر القامات، وسيكثر المنتفعون ممن يسمون أنفسهم صحفيين من تلميع الوجوه، غير أن الحقيقة لا تلمع، بل ترى.
إرث الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله ليس خبرا يستهلك، ولا صورة تعلق، ولا اسما يستدعى عند الحاجة؛ إنه ميزان توزن به النوايا، ومحك تختبر به الرجولة السياسية، وبوصلة تعيد تهامة إلى اتجاهها الصحيح كلما حاول العابثون حرف المسار.
سيبقى هذا الإرث حيا في ضمير الأحرار، ما دام في تهامة رجل يرفض البيع، وشاب يؤمن أن القضايا الكبرى لا يرثها الانتهازيون، بل يحملها الصادقون. وهكذا سيظل إرث الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله عصيا على المصادرة، محروسا بالوعي، ومحصنا بالحقيقة، ومكتوبا بمداد المواقف لا بحبر الادعاء.
ولأن الإرث الحقيقي لا يعيش في الخطب، بل في السلوك، فإن اسم الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله سيظل حاضرا كلما انحازت تهامة لكرامتها، وكلما رفض أبناؤها أن تكون قضيتهم سلعة في سوق السياسة أو وقودا لمواسم المتاجرة. فالرجل لم يترك خلفه فراغا، بل ترك معيارا، ومن ترك معيارا لا يغيب.
سيحاول البعض اختزال تجربته، وتفريغها من معناها، وتحويلها إلى لافتة بلا روح، لكن التجارب الصادقة تأبى الاختزال، لأنها كتبت بالصدق، لا بالحبر القابل للمحو. وما كان لله وللناس لا تمحوه حملات التشويه، ولا تطمسه ضوضاء الأبواق.
إن أخطر ما يواجه إرث القادة الكبار ليس العداء الصريح، بل التزييف الناعم، حين يتحدث باسمه من لم يحمل يوما هم قضيته، وحين ينصب نفسه وريثا من لم يدفع ثمنا، ولم يعرف معنى الوقوف في الصف الأول بلا مظلة. غير أن تهامة تعرف أبناءها، وتميز بين من سار على الجمر، ومن مر فوق الطريق بعد أن عبد.
ولهذا سيبقى إرث الشيخ عبدالرحمن حجري رحمه الله
أمانة ثقيلة، لا يحملها إلا من اتسعت صدورهم للمسؤولية، وضاقت نفوسهم عن المساومة. وسيظل علامة فارقة في تاريخ الحراك والمقاومة، لا لأن اسمه يردد، بل لأن قيمه تعاش، ولأن ما أسسه كان للناس جميعا، لا لفئة، ولا لمرحلة، ولا لمقعد.
بل إن الشيخ ربى رجالا يعتمد عليهم، لا تصنعهم اللحظة ولا تستهويهم الغنائم، رجالا تشكلت مواقفهم على الصبر والمسؤولية، وتربت عقولهم على أن الحقوق تنتزع ولا توهب، وأن القضايا العادلة لا تموت ما دام لها من يحرسها بالفعل لا بالشعارات. أولئك الرجال لم يكونوا ظلالا له، بل امتدادا واعيا لما آمن به، يحملون الفكرة لا الاسم، ويحفظون الطريق لا الصورة.
ولن يتركوا ما بدأ به في انتزاع الحق التهامي، لأنهم يعرفون أن التراجع خيانة، وأن الصمت في موضع الحق انكسار. سيمضون حيث توقف، لا طلبا لمجد شخصي، ولا بحثا عن أضواء زائفة، بل وفاء لوصية غير مكتوبة، مفادها أن تهامة لا تستعاد إلا بأبنائها، ولا تصان إلا برجالها، ولا يحمى حقها إلا بإرادة لا تلين.
وهكذا يستمر الطريق، لا بغياب الرجال ولا بحضورهم، بل بحضور المعنى الذي زرعه الشيخ في نفوس من بعده؛ معنى أن الحق التهامي قضية عمر، لا ورقة تفاوض، ومسؤولية تاريخ، لا موسم خطاب.
وسيظل أولئك الرجال أوفياء للبذرة التي غرسها الشيخ، يحمونها من عبث الطامعين، ويسقونها بالوعي والعمل، لا بالصخب والادعاء. يدركون أن انتزاع الحق التهامي مسار طويل، لا يقاس بسرعة النتائج، بل بثبات الخطى، وأن الصبر فيه شجاعة، كما أن العجلة فيه خيانة للفكرة.
لن ينجروا خلف الاستقطاب الرخيص، ولا خلف صراعات الأسماء والعناوين، لأنهم تعلموا أن القضية أكبر من الأشخاص، وأن من يجعل من نفسه غاية يضيع الطريق، بينما من يجعل من الحق غايته لا يضل. ولهذا سيبقون حيث يجب أن يكونوا: في قلب الناس، ومع همومهم، وعلى تماس مباشر مع وجع تهامة وآمالها.
ومهما تبدلت الظروف، وتغيرت الوجوه، سيظل الحق التهامي حاضرا في وعيهم كبوصلة لا تخطئ، وكعهد لا ينكسر. فالمشروع الذي بدأه الشيخ عبدالرحمن حجري لم يكن رهنا بحياته، بل مرتبطا بضمير جماعي تشكل على يديه، وبهذا الضمير وحده تستمر المسيرة، ويستعاد الحق، ويكتب للتاريخ أن تهامة لم تنس، ولم تتنازل، ولم تخذل أبناءها.



