مقالات الرأي

حين تطاردك السياسة في غرفة النوم

بقلم: عبدالستارسيف الشميري
لم تعد السياسة شأناً خاصا للمتخصصين او العاملين فيها
فقد أصبحت شأنا عاماً،،،
تحولت عند غير المتخصصين إلى حالة انغماس يومي
أقرب إلى الإدمان منها إلى الوعي،،،،
الانغماس السياسي القاتل للاعصاب مصاب به نصف الشعب العربي على الأقل وهو عدد مهول،،،،
اما في اليمن فأكثر من نصف الشعب منشغل سياسيا،،،
يخيل لي أن الشعب اليمني كله بمعنى من المعاني سياسيا ،،،
الفراغ القاتل والبطالة والحرب لعبت دورا في ذلك،،،
الشباب لا يُنتجون شيء باستثناء الانشغال السياسي
وبالمجان وبدون اي حقوق انتاج،،،
على الأقل نحن العاملين جزئيا في هذا الحقل
نتقاضى حقوق من مواقع او قنوات او ما شابه،،،
لذا أشفق على من يستهلك طاقته النفسية بلا عائد…
لاسيما عندما يكون انخراط بلا أدوات، وحضور بلا أثر،،،
ومشاركة شعورية في صراعات لا يملك مفاتيحها،،،
ولا قدرة التأثير في مآلاتها،،،
لا اخفي عليكم نحن حين نتحدث في الاعلام بسبب تكرار الأحداث نجد ملل كبير مما نكرره ،،،
وحتى صفة «المحلل السياسي» لم تعد تتطلب أكثر من متابعة الأخبار وإعادة سردها بصوت واثق،،،
الثقة حلّت محل المعرفة، والانطباع حلّ محل المنهج،،،
أما التحليل بوصفه جهداً معرفياً قائماً على السياق والتاريخ والبنية، فقد صار ترفاً نادراً وسط ضجيج الآراء السريعة،،،
كل شخص بات مشروع منبر،،،
وكل منصة تحولت إلى ساحة اشتباك لفظي،،،
حيث لا يُراد للفكرة أن تنضج وتكون بل يراد الاصطفاف
والصوت وان لم تكن معنا فانت ضدنا،،،
هناك مقولة شهيرة تقول السياسة التزام ولا تمارس بفائض الوقت
لكن هذه المقولة حصرية لمن يمارسون السياسة في مواقع قيادية عليا وليس لمن يقعدون في كراسي المشاهدة ،،،
ذلك أن الانغماس الشعبي العام لا يترك أثراً سياسياً حقيقياً،،، لكنه يخلّف تعباً نفسياً مزمناً،،،
السياسة، حين تُمارس بلا مسافة نقدية، تتحول إلى أرق،،،
متابعة مستمرة، قلق دائم، شعور بالعجز،،،
وغضب لا يجد طريقه إلى الفعل،،،
إنها حالة استنزاف وجداني تصيب الإنسان في صميم علاقته بذاته وبالعالم من حوله،،،
ولذا من عشرين سنة كنت ولازلت اكرر واكتب منشورات من فترة إلى أخرى واتحدث ايضا في القنوات بما معناه
ان على الشباب أن يأخذوا السياسة بخفة ومتعة وتسليه والا ستجعلهم حمقى وسنخسرهم في ميادين اهم،،،،
انشغالهم السياسي اليومي يصرفهم عن مايفيدهم في العمل أو في الاطلاع الذي يبني الفرد،،،،
مع بعض اقاربي واولادي مارست ديكتاتورية في هذا الأمر
وصرفتهم عن السياسة قسرا وقلت لهم انا اتسلى بالسياسة
ولا انشغل بها في قلبي بل عقلي ولن تستطيعون فعل ذلك،
بعض الأصدقاء حين نلتقي يحدثني في السياسة فأقول له كف عن هذا تحدث معي في الحب والعشق وإصدارات الكتب والمزاج ، لكن في بالنهاية مجاملة امضي معهم في حديث السياسة،،،،
كثيرون كفّوا عن الالتفات إلى ما يمسّ حياتهم اليومية مباشرة
وعن دورهم الاجتماعي الفاعل، معتقدين أن الصراخ السياسي نوع من المشاركة، وأن الغضب المستمر شكل من أشكال الوعي،
اخيرا ….
ليس المطلوب الانسحاب من الشأن العام، ولا الدعوة إلى اللامبالاة، بل استعادة السياسة إلى حجمها الإنساني والمعرفي،،
أن تُفهم ،لا أن تُلتهم، أن تُقارب بعقل بارد لا بأعصاب محترقة،،،
فالسياسة التي تلتهم الوجدان ليست وعياً، بل إنهاك،،،
والوعي الحقيقي، ربما، يبدأ حين نغلق الشاشة قليلاً،،،
ونفتح آفاق أخرى في الحياة والبهجة والعمل والاطلاع،،،
وبعض وقت للاصدقاء والأهل والمشي والمقهى ،،،،
وبعض الوقت للمطبخ ، ولا أعني هنا مطبخ السياسة
وسلامتكم .
#الشبزي

.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic