مقالات الرأي

خطوة في استراتيجية الخلاص.. الحلقة الثانية

مقاربة في الأزمة اليمنية

بقلم: عبدالستارسيف الشميري
أود القول أولا إذا لم تكن قرأت الحلقة الأولى فقد تبدوا لك هذه الحلقة مستفزة لانكم الان في لحظة اصطفاف مع وضد في لحظة انفعال في لحظة عاطفة وليس عقل..
ولذا فهذه المقاربة في حلقتها الثانية مرتبطة عضويا بالحلقة الاولى ..
من لم يقرا الحلقة الأولى سيبدو له الأمر على غير ما يتوقع مني أن أكتب ..
فأنا اكتب اليوم عن موضوع لم يُقَل بما يكفي، تخوفا من البعض لاسيما نخبة الشمال.. واذا كتب لا يُسمَع لأن الضجيج أعلى منه
وهو اختصارا ..
أن الجنوبيين في غالبيتهم لم يغادروا فكرة الوحدة فجأة،
بل انسحبوا منها نفسيًا قبل أن ينسحبوا سياسيًا….
الانسحاب الوجداني أسبق دائمًا من الانفصال الجغرافي.
لقد عاش الجنوبي سنوات طويلة
وهو يحاول التكيّف مع وحدة لا تشبهه،
وهو يُطالَب بالصبر باسم الوطن،
وبالصمت باسم المصلحة العليا،
وبالنسيان باسم المستقبل.
لكن الأوطان لا تُبنى على النسيان القسري،
ولا تستقيم حين يُطلب من طرف واحد
أن يدفع ثمن الأخطاء إلى ما لا نهاية.
الجنوب اليوم ليس غاضبًا فقط،
بل مرهق.
مرهق من الدفاع الدائم عن نفسه،
من تبرير شعوره،من شرح ألمه
وكأنه متهم لا ضحية،
مرهق من أن يُختزل صوته
إما في سلاح،
أو في شعار،
أو في اتهام جاهز بالانفصال والخيانة.
هذا التعب هو أخطر ما في المشهد،
لأنه حين يصل الوجدان إلى مرحلة الإنهاك،
يتوقف عن البحث عن حلول وسط،
ويميل إلى الخيارات الحادة،
حتى لو كانت مؤلمة.
دعوني هنا لدقيقة واحدة أتحدث باسم وجدان الجنوب واضع أسئلة يعتبرها البعض محرمة لذلك دعوني اكسر التابوهات لدقيقة فقط ….
هل يمكن لوحدة فشلت أخلاقيًا أن تُصلَح سياسيًا ؟
هل العدالة شرط للوحدة، أم نتيجة لها ؟
هل الجنوب يطالب بدولة، أم بحماية كرامه ؟
هل خوفكم من الانفصال حقيقي، أم خوف من خسارة النفوذ ؟
هل نناقش تقرير المصير كفكرة سياسية، أم نجرّمه كشبهه؟
الهروب من هذه الأسئلة
لم يحمِ اليمن،
بل عمّق أزمته.
انتهت الأسئلة المحرمة هنا…
سيقول قائل لي ما هي الممكنات كفاية تنظير يا شبزي
والجواب اختصارا
الممكن ليس شعارًا،
بل مساحة ضيقة بين خيارين كارثيين…
وحدة قسرية تُنتج عنفًا مؤجلًا
وانفصال فوضوي يُنتج دولًا هشة..
لكن بينهما توجد مساحات لم تُستكشف بجدية بعد:
صيغ انتقالية طويلة النفس..
ترتيبات سياسية تُعيد توزيع السلطة لا مجرد تدويرها
نماذج حكم محلي حقيقي لا صوري
آليات ديمقراطية تُنهي احتكار التمثيل جنوبًا وشمالًا
هذه الممكنات لا تنجح بالقوة،
ولا بالاستعجال، ولا بالخطابات العالية.
تنجح فقط حين يُسمَح للناس أن يشاركوا في صياغة مستقبلهم
لا أن يُفرض عليهم…
الخطر الحقيقي ليس أن يختار الجنوب طريقًا مختلفًا،
ولا أن يُعاد تعريف شكل الدولة،
بل أن يستمر اليمن في إدارة أزمته بعقل الخوف والغلبة
الخوف من الاعتراف،
الخوف من النقاش،
الخوف من التجربة.
قلت في الحلقة السابقة أن السلطة التي تعاند جغرافيتها تسقط ودعوني أضيف عبارة أخرى هي:
الدول تسقط أيضا عندما تصر على مسارات ثبت فشلها
وهناك نقطتين مركزيتين ستكونا ختام هذا الحلقة وهما
الأولى..
ما نحن فيه اليوم ليس خطاء مكون واحد فقط بل انكشاف لفساد الشرعية خلال عشر سنوات وهو فساد كبير مالي وإداري وسياسي وغير ذلك..
اما النقطة الثانية فهي..
من الإنصاف الأخلاقي، قبل السياسي، ألا تُحمَّل قضية الجنوب أثقال أخطاء المجلس الانتقالي الإدارية أو السياسية، فالقضايا التاريخية لا تُختزل في أداء كيان، ولا تُلغى بشرط مرحلي.
كما أن المقارنة العادلة تقتضي الاعتراف بأن الانتقالي أدّى دورًا عسكريًا حاسمًا في لحظة فراغ وانهيار، وحمى الجنوب من سيناريوهات أشد قسوة، حتى وإن تعثر في ترجمة هذا الدور إلى مشروع سياسي جامع.
الخلط بين القضية وأدواتها يظلم الاثنين معًا:
يظلم الجنوب حين يُختصر في مجلس،
ويظلم المجلس حين يُطالَب بما يتجاوز طبيعته وظروف نشأته.
وفي السياسة، لا تُقاس التجارب بنقائها، بل بميزان السياق، وحدود الممكن، وما فتحته من مسارات، لا بما عجزت عنه أو أخفقت في تقدير موقفه
ختاما وليس أخيرا
هذه حلقة حاولت أن أفتح فيها
المساحة النفسية والوجدانية والأخلاقية للأزمة..
وسأعود في الحلقة الثالثة إلى مساحات وزوايا أخرى نقدية مع وضع الممكنات أيضا..

نقلا عن:

الرصيف برس

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic