عقل غائب .. وتدهور ..دائم
خاص – حضرموت نيوز
ليس من باب المنطق، ولا من ميزان الحق، ولا حتى من حكمة السياسة، أن يستمر التمسك بوحدةٍ ماتت فعليًا في وجدان الناس قبل أن تنهار على أرض الواقع. وحدةٌ فُرضت بالقوة، ثم أُديرت بالعقلية نفسها، لا يمكن أن تتحول مع الزمن إلى مشروع وطني جامع، بل إلى عبءٍ ثقيل يضاعف المعاناة ويعمّق الانقسام.
المشكلة الجوهرية ليست في الجغرافيا، بل في العقل الذي يديرها. عقلٌ غائب عن قراءة التحولات، غائب عن الاعتراف بالفشل، وغائب عن الإنصات لصوت الناس في الشمال والجنوب على حدٍ سواء. لقد أثبتت التجربة، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن الإصرار على إنكار الواقع لا يصنع دولة، وأن التمسك بشعارات مستهلكة لا يعيد لحمة وطنية تمزقت منذ زمن.
الوحدة التي لا تقوم على القبول الحر، ولا تُدار على أساس الشراكة والعدالة، تتحول إلى غطاءٍ للهيمنة لا أكثر. ومع مرور السنوات، لم تعد الوحدة مشروعًا سياسيًا قابلًا للإصلاح، بل أصبحت في نظر شريحة واسعة من اليمنيين رمزًا للإقصاء، ومصدرًا دائمًا للأزمات والحروب والانهيارات.
الأخطر من ذلك أن النخب الشمالية – إلا من رحم ربك – لم تجرؤ بعد على القيام بمراجعة شجاعة ومسؤولة. لم يظهر قائد يمتلك الجرأة الأخلاقية والسياسية ليقول بوضوح: نعم، فشلت الوحدة بصيغتها القائمة، والاستمرار في فرضها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب.
الاعتراف بالفشل ليس خيانة، بل فضيلة سياسية نادرة. المطالبة بعودة الدولتين لا تعني الدعوة إلى القطيعة أو العداء، بل يمكن – بل يجب – أن تُطرح ضمن رؤية جديدة تقوم على جغرافيا واحدة، ودولتين مستقلتين، بعلاقة استثنائية أساسها التعاون، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
صيغة كهذه قد تكون طوق نجاة لليمن كله، شمالًا وجنوبًا. فهي كفيلة بتقليص مساحات الصراع، وسد الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وإغلاق شهية الأطماع الإقليمية والدولية التي تتغذى على الفوضى والانقسام والفراغ السياسي.
لا يمكن تجاهل أن اليمن اليوم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذا التدخل ما كان ليبلغ هذا الحد لولا العجز الداخلي، وغياب مشروع وطني واقعي، واستمرار الارتهان لأوهام الماضي.
إن الإصرار على بقاء دولة فاشلة، أو وحدة ميتة، لا يحمي السيادة، بل يبدد ما تبقى منها. الدول تُحترم في المجتمع الدولي عندما تحترم نفسها أولًا، وعندما تقوم على عقد اجتماعي واضح، ونظام سياسي قابل للحياة.
في اليمن نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى إعادة صياغة الذهنية السياسية للنخب الشمالية؛ ذهنية تعترف بالآخر، وتكف عن احتكار تعريف الوطنية، وتتحمل مسؤوليتها التاريخية في ما آلت إليه الأوضاع. ذهنية ترى أن إنقاذ الشمال لا يكون بإنكار الجنوب، وأن تخفيف معاناة الجنوب لا يتم عبر شعارات جوفاء عن وحدة لم تعد موجودة إلا في الخطب. والذهنيات المريضة ..
ذهنية جديدة تدرك أن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالواقع، لا من الهروب منه
إن التدهور الدائم الذي نعيشه اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لعقلٍ سياسي غائب، يرفض المراجعة ويخشى الاعتراف. وبين وحدة ميتة، ودولة فاشلة، يضيع الإنسان اليمني، وتُستنزف الأرض، ويُهدر المستقبل
الطريق إلى الخلاص يبدأ بسؤال بسيط لكنه شجاع:
هل نريد أن ننقذ اليمن… أم أن ننقذ أوهامنا عنه
ا. د احمد الشاعر باسردة
رئس تجمع تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering



