حضرموت في شِركِ ” هندسة الإقليم الشرقي المُلغَّمة ” …
تفكيك السرديات الوحدوية المخاتلة وتصويب بوصلة المسار
بقلم: م. أحمد صالح الغلام العمودي
سؤال المصير: حضرموت إلى أين؟
يطلّ سؤال المصير اليوم على حضرموت بحدّته القصوى: إلى أين تمضي هذه الجغرافيا الثقيلة بالمعنى والتاريخ؟ وأي مشروع سياسي يمكن أن يُشكّل أفقًا واقعيًا لها في زمن الانكسارات الكبرى؟ إن التدقيق الهادئ في المشهد يكشف أن الخيارات المتداولة، مهما تنوّعت شعاراتها، لا تخرج في جوهرها عن مشروعين سياسيين رئيسيين لا ثالث لهما في اللحظة الراهنة، وعلى الحضارم أن يزنوهما بميزان الممكن لا بميزان المرغوب. المشروع الأول هو البقاء تحت مظلة الوحدة اليمنية، بصيغها المتعددة: فيدرالية كانت أو كونفدرالية أو اتحادية أو دولة متعددة الأقاليم، على أن تُحدِّد حضرموت موقعها داخل هذا البناء وشكل تمثيلها فيه. أما المشروع الثاني فيتمثل في استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والتوافق على شكل الدولة الجديدة، اتحادية كانت أو فيدرالية، بما يضمن لحضرموت مكانتها الاستراتيجية ووزنها المستحق بقرار أبنائها.
الواقعية السياسية في مواجهة السرديات المخاتلة
واستباقاً لأي سِجالٍ سياسيّ، سواء أكان مؤيِّداً أم معارضاً لهذه الخيارات، ومن باب الاستباق الفكري لأي اعتراض، لا بد من الإقرار بحقيقة يعرفها الجميع ولا يجاهر بها كثيرون، وهي أنه لو أُتِيح للحضارم حقُّ الاستفتاء الحرِّ بين هذين المشروعين وبين خيارٍ ثالث هو “دولة حضرموت المستقلة”، لانحازت الإرادة الجمعية الحضرمية نحو استقلال حضرموت التام؛ فدولة حضرموت المستقلة، نظريًا، تبدو الأكثر إغراءً بوصفها الخيار الكفيل بنأي حضرموت عن “فوضى الشمال” و”صراعات الجنوب”، لاسيما وهي تمتلكُ كافة المقومات السيادية والذاتية للدولة من حيث الجغرافيا والموارد والهوية. غير أن السياسة لا تُدار بالرغبات، بل بميزان الواقع الذي يتحتّم علينا مجابهة إكراهات سؤاله بصدق وبحكمةٍ وبواقعية سياسية: هل يمتلكُ هذا الخيار “دولة حضرموت المستقلة” حيزاً من الإمكانية والتحقُّق، ومتاح فعليًا في سياق الاعتبارات الجيوسياسية على الأصعدة الدولية والإقليمية والمحلية الراهنة اليوم؟ والإجابة معروفة سلفًا، ويدركها تمام الإدراك الضالعون في علوم العلاقات الدولية، وكذا مَن يتصدّرون رفع شعار هذا المشروع قبل غيرهم، مهما حاولوا تجميلها، وهم يوقنون سِرّاً بافتقار هذا الخيار للواقعية السياسية؛ إذ إن عدم واقعيته السياسية، ما يجعل الترويج له أقرب إلى المناورة الخطابية منه إلى المشروع القابل للتحقق، وتوظيفًا لمشاريع أخرى خارج مقصده، مهما كانت الادعاءات، بوعي أو بدونه.
وإذا كان الأمر كذلك، فهنا يبرز السؤال الأخطر: إذن، لماذا يجري تسويق سرديات مخاتلة وملتبسة من قبيل: “حضرموت إقليم في دولة اتحادية يمنية، أو دولة مستقلة إذا كان الحل العودة إلى خيار الدولتين”؟! والجواب المنطقي، إن هذا العزف على عصب الافتخار الشوفيني وأمجاد الماضي لا يعدو كونه محاولة لإرباك المشهد، وإعاقة مشروع استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على إقليمها بحدود ما قبل 1990.. إذ لا نتيجة منطقية لمسار هذه السردية المخاتلة سوى الارتهان مجددًا لصنعاء! ويدرك من يرفعون هذا الشعار من إخوتنا، قبل غيرهم، أن لا قبولاً وازنًا للبقاء تحت سقف الوحدة اليمنية، لا في حضرموت ولا في محافظات الجنوب الأخرى، بل سيكون لهذا الخطاب إذا ما أَفصَح عنه أصحابه علانيةً آثار سياسية عكسية مدمرة عليهم؛ ولذلك يُغلَّف هذا الخيار بخطاب انتقائي يغازل المشاعر، في استغلال فجّ لبسطاء الناس.
ولتفنيد هذا المخاتلة، علينا التوقف في صميم هذا السجال، أمام السكوت المريب المُطبق على شيوخ الدين في الهضبة الزيدية، وعلى القوى السياسية الشمالية المنضوية تحت عباءة الشرعية، وكذلك أيضًا الحوثية المسيطرة على الشمال، هذا السكوت إزاء من يرفعون شعار “مشروع دولة حضرموت المستقلة”؛ وهو، وفق منطقهم المعلن، الأخطر على ما يسمونه ” الوحدة اليمنية “. فمن نافلة القول أن شيوخ الهضبة الزيدية قد دأبوا، في خطابهم الديني ــ السياسي، على تصوير فك الارتباط عن الوحدة “الانفصال” بوصفه خروجًا عن الدين، وانحرافًا عن الجماعة، بل ضربًا من ضروب الردة السياسية المؤثمة شرعًا، فيما لم تتردد القوى السياسية الشمالية المنضوية تحت عباءة الشرعية في التلويح العلني بالاصطفاف مع الحوثي ضد الجنوب إذا ما تم المساس بالوحدة، في ابتزاز جيوسياسي مكشوف لدول التحالف العربي. والمفارقة اللافتة هنا ذات الدلالة، هي أننا لا نجد فتاوى تكفير، ولا تحذير، ولا حتى إدانة شكلية. وهنا يبرز السؤال الاستنكاري باحثًا عن تفسير: لماذا هذا الصمت؟ أليس في ذلك ما يكشف عن تنسيق ضمني واتفاق غير معلن بين الصادح بالشعار والساكت عنه، مفاده أن جوهر هذا الشعار لا يستهدف تمكين حضرموت من تقرير مصيرها وحقوقها، بل إبقاء حضرموت والجنوب تحت عباءة الهضبة الزيدية، من خلال وضع العصي في دواليب مشروع استعادة سيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية؟! ولذلك، فإن هذا الشعار، عند إخضاعه للتحليل الجيوسياسي، لا يبدو سوى أداة لتشتيت الوعي الجنوبي، وكسر مشروع استعادة سيادة الدولة الجنوبية ما قبل 1990، عبر سردية استقلال ظاهرها التحرر وباطنها إعادة إنتاج الوصاية، في مفارقة لا تخلو من سخرية التاريخ.
ولا يعني هذا الطرح، بطبيعة الحال، مصادرة حق مَن يؤمنون بالوحدة اليمنية عن قناعة أصيلة صادقة لا ادعاء فيها؛ فهؤلاء يستحقون كامل الاحترام لاتساقهم مع ذواتهم. إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في “القناعة” بل في “المراوغة”، وتحديداً ذلك البعض الذي يتخندق خلف شعارات “مخاتلة” تعتمد نهج “الفهلوة السياسية” عبر استغلال جراح الماضي، وتعمد الخلط ــ جهلاً أم قصدًا ــ بين “استعادة سيادة الدولة الجنوبية” وبين “استعادة النظام السياسي الشمولي السابق” بكل إرثه اليساري وتجاوزاته. إن هذا الخلط المتعمد يهدف الترهيب والتضليل في استغلال فجّ لمشاعر من تضرروا من إجراءات ما قبل 1990. وهنا وجب تفنيد هذا الزيف بالقول: إن الهدف هو استعادة سيادة الدولة على إقليمها الجغرافي المعترف به دولياً، لا استعادة نظام سياسي ولّى زمانه؛ فالدولة القادمة تنشد بناء نظام جديد كلياً، يستند إلى التعددية والعدالة الاتحادية، كما أن شروط استعادة النظام السابق قد انتفت موضوعياً وذاتياً بموت أيديولوجياته وتغير موازين القوى الكونية والمحلية. ومن هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه، الذي تتطلب إجابته جرأة ومجابهة صادقة مع النفس لا هروب التفافي منه: ما هي المعضلة الموضوعية في أن تكون حضرموت “إقليماً اتحادياً” بخصوصية كاملة ضمن جغرافية الدولة الجنوبية المستعادة؟ ولماذا يُراد إقناعنا بأن حضرموت لا تصلحُ كإقليم سيادي إلا إذا ارتهنت لصنعاء حصراً؟! إن هذه الأسئلة، والإجابة عليها كفيلة بتفكيك حجم التناقض البنيوي في تلك السرديات، وكشف ما يتخفى خلف “أقنعة الحرص” الزائفة.
موازين التمثيل بين ديمقراطية الغرف المغلقة والثقل الجماهيري الحي
بيد أن هذا العجز في بناء حجةٍ منطقية، سرعان ما يتم تعويضه بهروبٍ قسري نحو “الإقصاء الميداني”؛ حيث تتحول السردية الملتبسة إلى سياط سلطوية تحاول لجم الأوزان الجماهيرية وتهميش إرادة الغالبية، عبر تصدير خطابات قطعية تُقرر مستقبل حضرموت حصراً بين سردية مخاتلة تضع المفاضلة بين خيارين لا ثالث لهما: البقاء مع صنعاء أو الذهاب إلى استقلال منفرد غير قابل للتحقق. إن هذا التجاوز المتعمد لرأي غالبية وازنة مؤمنة باستعادة السيادة الجنوبية، يمثّل فعلاً إقصائياً بامتياز؛ يعيد إنتاج “منطق الوصاية” لا الشراكة السياسية. والمفارقة التي لا تخلو من سخرية، أن هذا النهج هو ذاته الذي كان يُرمى به “المجلس الانتقالي الجنوبي” ــ وهو نقدٌ كان في محله ومحق تمامًا ــ لكن الأشد غرابة هو أن يمارس منتقدو الأمس السلوك الإقصائي ذاته اليوم، وكأن “الرذيلة السياسية” تتبدلُ صبغتها لتصبح ” فضيلةً وأداة مشروعة ” بمجرد تبادل المواقع وتغير المصالح، في استهتارٍ واضح بميزان الأوزان النسبية للثقل الجماهيري الحي.
وفي معرض هذا المناخ المشحون بالتجاذبات السياسية، يغدو الحديث عن أي حوار ــ سواء أكان “جنوبياً ــ جنوبياً” أم “حضرمياً ــ حضرمياً” حديثاً منقوص المعنى مختل المبنى، ما لم يقم على قاعدة صلبة قوامها استيعاب المشارب والرؤى كافة دونما استثناء أو مواربة. ولعله من المعلوم، إن العدالة السياسية للآراء لا تستقيم بالركون إلى وضع علامة يساوي بين الآراء المتناقضة، بل بالاحتكام الصارم لميزان ” الأوزان النسبية ” للثقل الجماهيري الحقيقي لهذه الآراء؛ وهو مآل لن يبلغ تمامه إلا بترجيح الإرادة عبر استفتاء شعبي يقرر فيه الشعب وحده مسار الفَصْل في مصيره. أما الاتكاء على أدوات السلطة الفوقية، والاستقواء بـها، فإنه، في منطق التجارب السياسية المقارنة، ليس سوى نذير شؤم يشي بانسداد أفق الحل، ويؤسس لصراعات بنيوية مريرة ستُضاف حتماً إلى سجل الدولة الهشة وأزماتها وصراعاتها المؤجلة.
ومما يفرضه مقتضى الحال هنا، هو جهرنا بالسؤال المشروع الذي يلامس جوهر الشرعية: إلى أين ستفضي مخرجات اللجنة التحضيرية للحوار، تلك المشكلة بقرار من الأستاذ عضو مجلس القيادة الرئاسي، ومحافظ محافظة حضرموت، الأخ سالم أحمد الخنبشي: هل يُراد لهذه المخرجات أن تُساق إلى “نخبة منتقاة سلفاً”، تُفصِّل رداءً لتموضع حضرموت السياسي يوافق مقاساتها، بدعوى النيابة عن أبنائها؟ أم أن نُبل المقصد سيقودها إلى مؤتمر “حضرمي ــ حضرمي” جامع، يمنح ألوان الطيف المجتمعي والسياسي حضوراً يتناسب مع أحجامها وثقلها الوازن على أرض الواقع؟
وفي سياق متصل، ولا يقل أهمية عما سبق، هو استجلاء المعايير والمقاييس الحاكمة لاصطفاء الممثلين في أية هيئة كانت؛ فالسؤال القلق بمرارته: كيف تُوزن آراء الرجال والمكونات، وكيف تُرجح الإرادات في عتمة الغرف المغلقة، بعيداً عن أوزانها الحقيقية في المجتمع؟ إن غياب الشفافية في هندسة التمثيل ليس إلا مدخلاً لاغتيال الإرادة الشعبية، وتكريساً لشرعيات هشة لا تملك من أمر الواقع شيئاً.
حين تلتفّ اللعنات على أصحابها
بيد أن خطورة هذا الإقصاء لا تتوقف عند مصادرة الإرادة، بل في كونه الستار الذي يُخفي خلفه ارتداداً تاريخياً مذهلاً؛ حيث يستعير أصحابُ ” الارتحال العكسي” ذات الأدوات القسرية التي لطالما كانت محلاً لتباكيهم ونحيبهم، لينتهي بهم المطاف صنيعةً لما كانوا يذمّون، وممارسين لذات الفعل الذي أقاموا الدنيا لعناً وتجريماً لمن قام به في الماضي! .. ففي مفارقة عبثية، التي شاء القدر أن يُمهلنا بقيةً من عمر لنشهد فصولها كاملة، أن نرى من يتصدّرون لمشروع اقتياد حضرموت اليوم ــ عِنوة ــ إلى صنعاء مرة أخرى، هم أنفسهم الذين صبّوا ــ ولا يزالون ــ اللعنات والاتهامات على «الجبهة القومية»، بزعم أنها أسقطت حضرموت عِنوة، وسلّمتها إلى «عدن» دون مشورة أهلها، ثم ساقها الحزب الاشتراكي اليمني مع عدن معًا إلى صنعاء، في وحدة غير مستفتى عليها.. في هذا المنحى، دون الشعور بما يقعون فيه من تناقض منطقي وتاريخي قلّ نظيره: فكما لعنوا ــ وفق سرديتهم ــ من سلّم حضرموت لعدن ثم لصنعاء، ها هم اليوم، وبأيديهم، يقودونها إلى «بيت الطاعة للهضبة الزيدية» في لحظة كان يُفترض أن تكون لحظة انعتاق تاريخي لا ارتدادًا مُقنّعًا، متناسين أنه بمنطق التاريخ، الذي لا يرحم تناقضات النخب ولا يغفر سوء تقدير اللحظات المفصلية، ولا يسامح من لا يتعض ويستفيد من دروس التاريخ القريب قبل البعيد.. بهذا المنطق ذاته سيأتي جيل، بل أجيال قادمة، ستلعنهم مرتين: مرة لأنهم يناضلون ــ ببسالة يُحسدون عليها ــ لإعادة حضرموت صاغرة إلى دائرة الهيمنة لنخب الهضبة الزيدية، لا استجابة لموازين واقع مدروسة، بل بدوافع انحيازات أيديولوجية، على نحو لا يبتعد كثيرًا عمّا فُجعوا به يومًا من «الجبهة القومية» و«الحزب الاشتراكي»، المسكونيْن بأوهام الوحدة، قبل أن يثبت الواقع لهما أن هذه الوحدة لم تكن سوى «صروح من خيالٍ فهوت!». أمّا اللعنة الثانية، فهي أشد وقعًا، لأنها تتصل بافتقاد الرؤية السياسية الحصيفة القادرة على تحقيق سيادة حضرموت بواقعية سياسية، بخطوات متأنية مدروسة، تُدرك متغيرات ومحددات الوضع الدولي والإقليمي، وتزن الكلفة قبل الشعارات، بدل الانجراف خلف شعبوية سياسية تتغذى على لحظة زهو كاذبة، وتؤسس لإعادة إنتاج الهيمنة ذاتها، ولكن هذه المرة بأقنعة محلية وخطاب مُفرغ من مصداقيته.
ولا مناص في هذا السجال من المصارحة: إن القوى التي ترفع اليوم هذا الشعار، إن كانت تنشد استقلالًا حقيقيًا ناجزًا لا صوريّاً، ستجد نفسها أمام حقيقة جيوسياسية قاهرة تتمثل في أن الانضواء تحت سقف الجنوب ــ سياسيًا وتاريخيًا ــ يظل أقل كلفة، وأوضح مسارًا، وأكثر واقعية لتحقيق هذا المشروع، مقارنةً بمحاولة انتزاعه عبر فك الارتباط المباشر مع نخب الهضبة الزيدية والشمال عمومًا، تلك النخب التي لم تبرح تتمسك بـشعار الوحدة حتى الموت، مع استعدادها المطلق لإفشال أي مشروع سيادي يتعارض مع مركزية مركزي صنعاء الإلهي والتاريخي المقدسيْن. فالتاريخ القريب، ومنطق توازن القوى في الإقليم، يشيان بأن مواجهة هذه النخب منفردة، خارج إطار جنوبي جامع في اللحظة الراهنة، ليست سوى مقامرة عالية الكلفة، تُغلَّف بخطابات خادعة، بينما تفتقر إلى أدوات القوة والمنعة السياسية والشرعية اللازمة لإنجاز استقلال فعلي محسوب.
ألغام الإقليم الشرقي كمتفجر موقوت للدولة المؤجَّلة
بيد أن هذا المسار الجنوبي الواضح، لم يُترك ليمضي في سلاسة، بل وُضعت في طريقه “عقدة منشار” احترافية، هندستها مراكز القوى في الهضبة الزيدية، التي تدرك تماماً كيف تُجهض المشاريع الكبرى من داخلها. وعليه، فمن بديهيات قراءة المشهد، ينبغي الإقرار أن هذه النُخَب ما كانت لتُمسك بخيوط هذا التعقيد المتشابك في الجنوب عمومًا، وحضرموت تحديدًا، ولا أن تُمرِّر مشاريع من طراز “الإقليم الشرقي والغربي”، لولا استثمارٍها طويل النفس، سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، امتد لأكثر من خمسةٍ وثلاثين عامًا. استثمارٌ لم يكن عشوائيًا، بل جرى بعقلٍ بارد، اشتغل على استنبات أدواتٍ وظيفية داخل الجسد الجنوبي ذاته، وفي حضرموت على وجه الخصوص، كصواعق تفجير محسوبة، لتُصبح المعركة مع الذات قبل أن تكون مع المركز.
وفي هذا السياق، جرى تسييس المظلوميات، لا لإنصافها، بل لتوظيفها، وجرى النبش في جراح ما قبل 1990، لا بوصفه قراءة نقدية للتاريخ، بل كسلاحٍ لتفكيك الحاضر، في تزامن مريب مع تعميةٍ متعمدة أقرب إلى الإنكار المنهجي، لما ارتُكب بحق الجنوب وحضرموت منذ 1990 وحتى اللحظة. وهنا تكمن الخديعة الكبرى: تحويل الألم الحقيقي إلى أداة اغتيال لمشروع استعادة سيادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لا إلى مدخلٍ لمعالجة عادلة أو مصالحة تاريخية.. فـالإقليم الشرقي، في بنيته الهندسية المصمَّمة سلفًا، ليس كيانًا إداريًا محايدًا، ولا استجابة بريئة لتعقيد الواقع، بل حقل ألغامٍ سياسي وهوياتي، متعدِّد الطبقات والمستويات.. ألغامه لم تُزرع بينه وبين الأقاليم الأخرى المجاورة له فقط، ولا بين محافظاته المنضوية تحت لوائه فقط أيضًا، بل في داخل كل محافظة على حدة في سردياتها، وفي تعريفها لذاتها، وفي علاقتها بأخواتها في الجوار الداخلي.. فالمهرة وسقطرى وشبوة لكلٍّ منها حكايتها الخاصة، بل جراحها المختلفة، غير أن حضرموت تقف في القلب من هذا التشظي، بوصفها العقدة المركزية، وبيت القصيد في هذا العصيد السياسي المتخم بالتناقضات. ولا يُستبعد، في مناخٍ كهذا، أن تُستدعى أطياف السيادة من الماضي ــ الدولة القعيطية والدولة الكثيرية، وما دونهما ــ لا باعتبارهما تاريخًا يُدرَس، بل كرايات صراعٍ تُرفع لتنازع الحاضر شرعيته، في متواليةٍ لا تنتهي من التفكك، حيث يصبح الماضي سلاحًا، لا ذاكرة.
غير أن الألغام المزروعة في هذا التصميم الهندسي الحذق لا تتوقف عند الجغرافيا ولا عند التاريخ، بل تمتد عموديًا داخل المجتمع الحضرمي ذاته، عبر ضرب هويته “الصوفية” الوسطية المتسامحة في مقتل، عبر استيراد وحقن تياراتٍ متشددة في جسده، بعد أن لفظتها بيئاتها الأصلية، وأُلقيَ بها في “المكب الخلفي”. ولا يمكن إغفال اللغم الأخطر، المتمثل في بروز منطق “الاستحقاق القبلي المطلق” الذي يمنح القبيلة سيادةً تناقض منطق الدولة الجامعة، وهذا، في جوهره، ليس إلا استنساخًا دقيقًا لاستراتيجية الاستتباع السياسي للهضبة الزيدية في معادلات السياسة والحكم وغرسها في حضرموت، حيث تُضعَف المواطنة لصالح الولاءات الأولية، وتُفرَّغ الدولة من معناها، لتغدو واجهة وهيكلًا ديكوريًا صوريًا تحركها مراكز النفوذ وفق اتجاهات رياح مصالحها، المرتبطة بالضرورة بمصالح إقليمية.
إن رهان نُخَب الشمال بواجهاتها المختلفة: القبلية والدينية والعسكرية والسياسية والثقافية في هندسة هذا الإقليم الملغَّم، تتجسد في أن تَبقى المحافظات المنضوية فيه في حالة تنافرٍ قيادي دائم، وتظل كل محافظة مشغولة بألغامها الداخلية، بحيث تُستنزف الطاقات في صراعاتٍ جانبية، ويُترك ” الخصم الحقيقي ” خارج دائرة المساءلة. وبهذا، تُصان “وحدة اليمن السعيد” ــ الذي لا نعرف متى كان سعيدًا ــ لا بوصفها عقدًا وطنيًا، بل كوصايةٍ مفروضة، منسجمة مع توازنات القوى الإقليمية، الكبيرة والصغيرة منها والقريبة والبعيدة على السوى، فوق خارطة يمنية ممزقة، في صراعٍ قديم يتجدد بواجهاتٍ جديدة، على النحو الذي يضمن لهذه النخب إدارة هذه الصراعات وديمومة الهيمنة.
ولضرورة الإخراج المسرحي لهندسة هذا التصميم، كان لابد من الالتفافة المخاتلة لسردية في ظاهرها محبة وفي باطنها لؤم: “حضرموت إقليم في الجمهورية اليمنية، أو دولة إذا كان الحل دولتين” .. صيغة تبدو للوهلة الأولى مرنة، لكنها في حقيقتها لغمٌ سياسي مؤجَّل، يُفجَّر متى ما دَعت الحاجة لإعادة ضبط المشهد. فهي لا تمنح حضرموت حق تقرير مصيرها حسب مزاعم من يرفعون الشعار، ولا تفتح أفق دولة حقيقية، بل تُبقيها معلَّقة بين خيارين مُلغَّمين، تُستدعى كورقة ضغط عند كل منعطف. وهكذا، لا يغدو الإقليم الشرقي مشروع حل، بل آلية لإدارة الصراع، ولا مدخلًا للدولة، بل وسيلة لإدامة اللادولة؛ حيث تتبدل الأسماء والواجهات، فيما يبقى الجوهر واحدًا: سيادةٌ مُصادَرة، ودولةٌ مؤجَّلة، ولغمٌ مزروع في قلب الجغرافيا، ينتظر لحظة التفجير.
مشروعية استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ما قبل 1990
وأمام هذا التيه الذي تحاول السرديات المخاتلة فرضه كواقع، تبرز ضرورة الاحتكام إلى “المسطرة القانونية” والقواعد الدولية الصارمة، لفك الارتباط بين أوهام ” الإقليم المصطنع ” وحقائق ” الدولة السيادية ” الراسخة.. فمن منظور القانون الدولي والقواعد الحاكمة للعلاقات بين الدول، فإن الوحدة التي أبرمت عام 1990 بين دولتين سياديتين مستقلتين، لم تكن سوى “عقد سياسي وقانوني” ثنائي، وهو كشأن سائر العقود الدولية، يظل قابلاً للمراجعة أو الفسخ متى ما اختلت أركانه أو انتفت مصلحة أطرافه أو أحدها. وإن شواهد التاريخ الحديث تمنحنا مساحة واسعة للاستدلال والقياس؛ بدءاً من “فك الارتباط” بين سوريا ومصر عام 1961، مروراً بالتفكك السلمي لـ “تشيكوسلوفاكيا”، وصولاً إلى نيل “إريتريا” استقلالها السيادي. أما في الحالة اليمنية، فإننا نؤكد أن “حرب صيف “1994 لم تكن مجرد صراع عسكري عابر، بل كانت “إعداماً قانونياً” للعقد الوحدوي ونقضاً صريحاً لشرعيته؛ إذ تحولت الوحدة من “شراكة طوعية” إلى “فرض قسري” بقوة السلاح والجبروت. ومما يعضد هذا الطرح ويمنحه صبغة حقوقية قاطعة، هو ذلك الانقلاب التشريعي الذي تمثل في تغيير وجرف، بل نسف “خمسة وثمانين مادة” من مواد الدستور الذي استفتي عليه الشعب في مطلع التسعينيات؛ مما جعل استمرار هذا الكيان اليوم استمراراً “قسرياً” يفتقر لروح التعاقد وأهلية الرضا.. وعليه، فإن الدعوة لاستعادة سيادة “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” لا يمكن توصيفها بـ “النزعة الانفصالية” -كما يروج خصوم المشروع، بل هي في جوهرها “تصحيح لمسار سياسي” أجهض بآلة الحرب، واسترداد مشروع لسيادة كيان سياسي كان قائماً، ومعترفاً به في المحافل الدولية، ويمتلك كامل الأهلية القانونية للعودة إلى مقعده الطبيعي في خارطة الأمم.
المشروع الواقعي والانحياز العقلاني.. حضرموت قاطرة الجنوب لا مقطورة
بيد أن هذه المشروعية القانونية لا تكتمل قيمتها ما لم تقترن بـ “رؤية واقعية” تُحوِّل الحق التاريخي إلى مشروع سياسي عقلاني، ينأى بحضرموت عن الخطب العاطفية ويضعها في صلب معادلة الفعل والسيادة. إن المشروع السياسي الواقعي الممكن، من منظور كاتب هذه السطور، ليس ذاك المشروع الذي يُداعب العواطف أو يُسكِّن القلق مؤقتًا، بل ذاك الذي ينطلق من ميزان الممكن المتاح، ويحتكم إلى معطيات التاريخ والقانون والواقع معًا. ولذلك، فإن مشروع استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، عبر استفتاء شعبي حرّ لأبناء الدولة المغدورة، وتحت رعاية وإشراف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، يظل الخيار السياسي الأكثر اتساقًا مع منطق الشرعية الدولية، والأقرب إلى قابلية التحقق في السياق الراهن.
أما الاستمرار في الوحدة اليمنية، فليس خيارًا محايدًا ولا قابلاً للإصلاح بالترقيع، بل هو في جوهره خيارٌ مدمِّر للشمال والجنوب معًا؛ ذلك أن الإشكال لا يعد سياسيًا صرفًا يمكن احتواؤه بتسويات شكلية عابرة، بل هو إشكال حضاري وثقافي عميق، نابع من تباينات بنيوية في أنماط الاجتماع السياسي، ومنظومات القيم، ومفهوم الدولة والحكم، والعلاقة بين السلطة والمجتمع. ومن ثم، فإن مشكلة حضرموت والجنوب مع الشمال، كما نراها، هي في الأساس مشكلة حضارية ثقافية قبل أن تكون سياسية، وإن طال شرحها.
إن هذا الموقف ينبغي ألا يُفهم أنه صادر عن كراهية عمياء لفكرة الوحدة من باب الخصومة، ولا عن عداء عاطفي لليمن كجغرافيا أو شعب كريم، ولا عن حنين وعشق رومانسي لذكرى دولة منقضية، مُثقَل بالأوهام لدولة ما قبل 1990، بل هو، في نظر صاحبه، انحياز عقلاني لمشروع سياسي يُمثّل، في ميزان الواقع الخيار الأمثل والأقل كلفة والأكثر ضمانًا لحضرموت والجنوب وللشمال سوية.. انحياز لمشروع ممكن، تُقاس جدواه بقراءة الوقائع، لا على الانفعالات والاندفاعات اللحظية.. مشروع ــ دولة جنوبية اتحادية عادلة ــ هو الإطار الوحيد، كما نظن، القادر على استيعاب الوزن الاستراتيجي لحضرموت، وتعظيم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، وصون خصوصيتها التاريخية والاجتماعية، دون أن تكون تابعًا أو هامشًا في معادلة تُدار من خارجها. دولةٌ تكون فيها حضرموت فاعلًا مؤسسًا لا ملحقًا وظيفيًا، وشريكًا في القرار لا مجرد ساحة نفوذ. وفي معرض هذا التصور، فإن الرهان ليس على دولة جنوبية تُعيد إنتاج المركزية بأسماء جديدة، بل على دولة اتحادية حقيقية، تكون حضرموت فيها قاطرة المشروع الوطني الجنوبي، لا مقطورة تُسحَب وفق أهواء مراكز القرار. دولة تُدار بمنطق التوازن لا الغلبة، وبالعقل لا بالثأر، وبالمصالح لا بالهتافات.
خاتمة: الشك مِلح الحكمة وضمير السياسة
وختامًا، فإن هذا الانحياز لمشروع الدولة الجنوبية كخيار، هو في جوهره انحيازٌ يرفض الارتهان لضبابية الوعود أو الانسياق خلف السرديات الجاهزة؛ إذ لا تنطلق هذه القراءة من ادعاء اليقين، بل من إدراكٍ راسخ بأن تغييب السؤال النقدي هو الوجه الآخر للإخفاق، وعليه، فإن ما بسطناه هنا مجرد اجتهادٌ يطرحه الكاتب بأمانة المراقب، فإن أصاب فذلك مبتغاه، وإن أخطأ فذلك قدر الاجتهاد البشري في ملاحقة الحقيقة؛ فالتاريخ والسياسة لا يُقْرآن بظواهر النصوص، بل بما يتخفى خلف الكواليس. إنها محاولة لفك طلاسم المشهد، واستيعاب ألغام “الإقليم الشرقي”، وتصويب البوصلة عبر مسار استعادة سيادة “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”.. فالوعي النقدي، والتموضع العقلاني، هما مفتاحا أي مشروع حقيقي، وتظل القاعدة التي لا يُستغنى عنها: “الشك مِلح الحكمة وضمير السياسة”؛ فبالشك الواعي تُكتَشف المخاتلات، وبالضمير السياسي نخطو بثبات نحو مرافئ الخلاص، حيث السيادة حقٌّ لا يُنازَع، والكرامة الوطنية قدرٌ لا يُؤجَّل.
والله من وراء القصد وهو الموفق والمستعان ،،،
م/أحمد صالح الغلام العمودي
حرر في:
تاريخ: 6 شعبان 1447 هــ
الموافق: 25 يناير 2026م



