
بقلم: حسام ردمان
نظرا للتكتم الحوثي الشديد ؛ فان المعلومات الاولية الواردة حول نتائج الضربات الامريكية في اليمن تساهم بالكاد في رسم جزء يسير من المشهد.
ولاستكمال تركيب باقي اجزاء الصورة ؛ فانه ينبغي تحليل مؤشرات السلوك الحوثي الراهن ، ومقارنتها مع نمط سلوك الجماعة خلال حقبة بايدن ،وفترة ما قبل ضربات ترامب.
وفي هذا السياق يمكن تسجيل خمسة ملاحظات مهمه ، طرأت خلال النصف الثاني من شهر مارس ٢٠٢٥:
١- تراجع نشاط الحوثيين في الجبهات المحلية ، فمنذ بداية الضربات الامريكية دخلت القوات الحوثية على خطوط التماس في حالة صوم قتالي ولم يسمع لها أي تحرك.كما أن عمليات التحشيد الحوثي بشريا وتسليحيا قد واجهت معضلة حقيقية لاسيما بعد ضرب مخازن السلاح ومراكز القيادة والسيطرة في الجوف ومارب وضرب معسكرات التدريب في ذمار و صنعاء وصعدة.
٢- تدني كثافة الضربات العابرة للحدود؛ و التي شهدت منحى تنازلي وصولا إلى توقف العمليات ضد الأصول العسكرية الأمريكية خلال آخر يومين.
وتجنب الحوثيون استخدام أسلحة نوعية مثل القوارب والغواصات الانتحارية غير المأهولة ، وهو الأمر الذي قامت به الجماعة دون تردد خلال حقبة بايدن.
٣- التزام الحوثيين بقواعد الاشتباك الترامبية وتجنب استهداف الملاحة التجارية حتى الان، سواء السفن التابعة لإسرائيل أو المتجهة اليها. وكذلك السفن التجارية الأمريكية.
قد يكون السبب في ذلك هو عدم مرور سفن أمريكية أو إسرائيلية في البحر الأحمر ، وهذا أمر لم يتسنى لي التاكد منه بعد.
لكن في جميع الأحوال فإن سلوك الحوثي الراهن يعد موشر تراجع لأنهم في العام ٢٠٢٤ وحينما تعذر عليهم ضرب السفن الإسرائيلية والأمريكية، قامت الجماعة باستهداف السفن الغربية دون تمييز ، وهو الأمر الذي تتجنبه اليوم.
٤- التراجع عن الخطاب التصعيدي ضد السعودية. فبعد ان أطلق الحوثيون بالونة اختبار من خلال بيان البنك المركزي الانقلابي في صنعاء ، تجنب زعيم الجماعة الحوثية في آخر خطابين له الإشارة بأي سوء إلى الرياض ، ولا يمكن فصل هذا التريث الحوثي عما ورد في التسريبات الأمريكية الأخيرة لمجلة ذا اثلانتك والتي تضمنت رسالة واضحة مفادها أن مصادر النفط الخليجية خط أحمر.
٥- انفتاح طهران والحوثيين على جهود الوساطة وهو ما يمكن رصده منذ زيارة عراقجي إلى مسقط عشية الضربات وتسريب رويترز عن تسليمه رساله الى محمد عبد السلام يحث فيها الحوثيين على خفض التوتر. ثم زيارة رئيس الوزراء العراقي السابق الى صنعاء.
واخيرا استضافة طهران للمبعوث الاممي إلى اليمن للمرة الثانية خلال شهرين. وقد كانت الزيارة الاولى لهانس في يناير ومثلت رسالة إيرانية عن جديتها في لجم الحوثيين عن الهجمات ، وهو ما حدث.
إذن في المحصلة يمكن القول إن الضربات الامريكية – وبخلاف الانكار الحوثي- تعتبر موجعة للغاية بالمعنى العملياتي . لكنها ليست قاضية بالمعنى الاستراتيجي.
تتجلى فاعلية الضربات الأمريكية من خلال بنك الأهداف النوعي والذي تضمن عملا منهجيا على قطع الرؤوس القيادية ، استهداف البنية التحتية العسكرية.
وهذا النهج الامريكي حتى وإن لم يقضي تماما على قيادات الحوثي فإنه يجعلها تعيش في عزلة أمنية تنعكس سلبا على قدرتها في صناعة القرار السياسي والعملياتي. كما أنها تقوض قدرة الحوثيين على استخدام أصولهم العسكرية و مخزونهم التسليحي.
ومن زاوية أخرى تتجلى فاعلية الضربات الأمريكية من خلال تأثيرها على طبيعة السلوك السياسي الحوثي الذي اصبح أقل مجازفة. و على سلوكهم العملياتي الذي أصبح أكثر حذرا بحيث لا تتجاوز هجماتهم “عتبة التصعيد الرمزي” عبر توجيه الصواريخ والمسيرات إلى أهداف يسهل للدفاعات الجوية التعامل معها.
غاية الحوثي من التزام التصعيد الحذر ، هو شراء الوقت لامتصاص الضربات ، مع الحفاظ على ماء الوجه عبر عمليات رمزية ، وامعان التفكير في الخطوة القادمة .
وقد تكون الخطوة القادمة بدء النزول التدريجي عن الشجرة ؛ و إفساح المجال امام جهود الوساطة الاقليمية .
وقد تكون حسابات الحوثي تقوم على شراء الوقت استعدادا للذهاب الى حافة الهاوية ؛ عبر استهداف مصالح واشنطن وحلفائها بصورة مؤذية.
وسوف يمثل هذ الخيار سلاحاً ذا حدين؛ فمن جهة يرفع كلفة التصعيد الامريكي في اليمن ، و من جهة أخرى فانه قد يدفع واشنطن والرياض و ابوظبي و عدن إلى الإجماع على ضرورة القضاء على الحوثي كتهديد مشترك.
وفي الوقت الرهن، يظل السينايو الأمثل بالنسبة لعبدالملك الحوثي هو ان تتوقف الحرب في غزة بسرعة ، وأن يكون قادرا على إعلان وقف عملياته مع انتزاع صورة نصر. لكن ذلك وأن أدى إلى وقف الهجمات الجوية، فانه لن يوقف العقوبات الناجمة عن قرار تصنيفهم كجماعة ارهابية. لأن هذا القرار مرتبط باذعان طهران لشروط ترامب.
وعلى الأرجح فان نتنياهو سوف يحرص على إفشال هذا السينايو ، وبمساعدة الحوثي نفسه!!
وقد نرى مستقبلا نجاح المسيرات و الصورايخ القادمة من اليمن في اختراق منظومات الدفاع الإسرائيلية و بلوغ أهدافها في قلب تل ابيب وايقاع الخسائر المادية والبشرية ، وذلك بالتزامن مع احتياج الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيس الضغوط الدولية والعربية التي ستمارس عليها لوقف الحرب في غزة.